الثلاثاء، 17 يونيو 2014


تدبر القرآن الكريم يزيد الإيمان الدليل:

﴿ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًَا (2) )( سورة الأنفال)

مما يزيد الإيمان ومما يقوي الإيمان ومما يقرب من الواحد الديان أن تتلو القرآن الكريم، كلنا نمرض، هناك أمراض تصيب الجلد، أمراض تصيب العين، تصيب الشم، الأنف، المعدة، الأمعاء، الكبد، العظام، أمراض عضالة تنتهي بالموت، هذه الأمراض لها أدوية كما قال النبي عليه الصلاة والسلام:
(( لكل داء دواء )) [ مسلم و أحمد عن جابر]


 

أمراض الجسم تنتهي بموت الإنسان وأمراض القلوب تبدأ بموت الإنسان:

هناك أمراض تصيب القلوب، الحقد مرض، الكبر مرض، الاستعلاء مرض، الانغماس في المعاصي والآثام مرض خطير، طول الأمل مرض، الغفلة عن الله مرض، أمراض الجسم تنتهي عند الموت مهما يكن مرض عضال، ورم خبيث منتشر، انتهى هذا المرض بموت الإنسان، مع موت الإنسان انتهى المرض، أمراض الجسم تنتهي بموت الإنسان

ولكن أمراض القلوب تبدأ بموت الإنسان، وتنتهي به إلى جهنم وبئس المصير، شيء خطير جداً أمراض القلوب، حقد، استكبار، استعلاء، إفساد المجتمع، إضلال الناس، أن تبني مجدك على أنقاض الآخرين ، أن تبني حياتك على موتهم، أن تبني عزك على إذلالهم، هذه أمراض مهلكة متى تبدأ ؟ بعد الموت، الناس نيام إذا ماتوا انتبهوا.

 

 

قراءة القرآن الكريم شفاء لما في الصدور:

لذلك ما الذي يشفي من أمراض القلوب ؟ بالدليل القرآن الكريم ؟

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ (57)( سورة يونس)

شفاء لما في الصدور، مؤمن يصلي يقرأ القرآن الكريم، يحقد ؟ مستحيل،

مؤمن يصلي يقرأ القرآن الكريم، يأخذ ما ليس له ؟ مستحيل،

مؤمن يصلي يقرأ القرآن الكريم، يتكبر ؟ مستحيل،

مؤمن يصلي يقرأ القرآن الكريم، يفسد الناس ؟ مستحيل، يأخذ ما ليس له ؟ مستحيل.

وإن لم تشعر أنك إذا تلوت القرآن شفيت نفسك من الغل، من الحسد، من العداوة، من البغضاء، من الحقد، من رغبة عند بعض الناس لبناء المجد على أنقاض الآخرين، إن لم تشعر بحالة الشفاء فأنت لم تقرأ القرآن الكريم

 







 

تقسيم الأمراض إلى زمرتين ؛ الشهوات و الشبهات:

الأمراض كثيرة جداً لكن العلماء جمعوها في زمرتين،

1/الشبهات    2/ والشهوات،

الشبهات مرض يصيب العقيدة، لماذا الأمراض في البشر ؟ لماذا الحروب ؟ لماذا العمر القصير ؟ لماذا هناك فقر ؟ لماذا هناك مجاعات ؟ شبهة

 أين رحمة الله ؟ أين عدله ؟ شبهة

لماذا الغرب غني جداً ؟ بلاده جميلة جداً ؟ قوي جداً مسيطر ؟ غارق في المعاصي والآثام وكلمته هي العليا ؟ هذه شبهة

القرآن الكريم شفاء من الشبهات، قال تعالى:

﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً ﴾( سورة الأنعام الآية: 44 )

 

 


القلب السليم:

قال تعالى:

﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89) (سورةالشعراء)

قال بعض العلماء:

 القلب السليم القلب الذي لا يشتهي شهوة لا ترضي الله،

 والقلب السليم القلب الذي لا يصدق خبراً يتناقض مع وحي الله،

والقلب السليم القلب الذي لا يحكم شرعاً غير شرع الله،

والقلب السليم القلب الذي لا يعبد إلا الله، أقسم لكم بالله أنك إذا داومت على قراءة القرآن تشفى قطعاً من كل الشبهات ومن كل الشهوات:

﴿ فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ﴾ ( سورة طه )

لا يضل عقله ولا تشقى نفسه:

﴿ فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ ( سورة البقرة )

من اتبع هدى الله عز وجل لا يضل عقله و لا تشقى نفسه:

هاتان الكلمتان خطتا المستقبل والماضي معاً:

﴿ فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾( سورة البقرة )

لا خوف عليهم في المستقبل ولا هم يحزنون:

﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا ﴾ ( سورة التوبة الآية: 51 )

                                              


 

من آمن بالله و تدبر آيات القرآن الكريم جعل الله له مخرجاً من حيث لا يعلم:

إذا قرأت القرآن:

﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً ﴾( سورة الطلاق )

إذا قرأت القرآن الكريم:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (31) ﴾ ( سورة فصلت )

 

 

 


 

قراءة القرآن الكريم توصل الإنسان إلى سبيل الاستقامة الذي يوصله إلى الله:

من أراد أن يسلك سبيل الاستقامة الذي يوصله إلى الله فليقرأ القرآن:

﴿ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (27) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (28) ﴾ ( سورة التكوير)


بربك تمشي أنت في الطريق في الليل، والطريق ضمن غابة، والطريق موحش، وهناك حفر و أكمات و أفاعٍ وعقارب و وحوش و مكان منزلق، إن لم يكن معك مصباح الحادث حتمي، إن كان معك مصباح ترى الحفرة فتحيد عنها، ترى الأكمة تتجاوزها، ترى الشيء الضار فتقتله، أفعى أو عقرب، الآن الذي يمشي في طريق في الليل موحش فيه وحوش وأفاعٍ وعقارب و حفر و أكمات ومعه مصباح كمن يقرأ القرآن الكريم:

﴿ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (15) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (16) ﴾

( سورة المائدة)

ما الذي يوصلك إلى الله ؟ كثرة ذكره،

ما الذي يوصلك إلى الله ؟ الاستقامة على أمره،

ما الذي يوصلك إلى الله ؟ الخوف منه، سبل الوصول وعلامات القبول.

 

 


الفرق الواضح بين قراءة الصحابة للقرآن وبين قراءتنا نحن للقرآن:

الآن أريد أن أبين لكم الفرق الواضح بين قراءة الصحابة للقرآن وبين قراءتنا نحن للقرآن.

معظم المسلمين يقرأ القرآن ليطلع على كتاب الله هذا، يقرأ للاطلاع، ليزداد ثقافة، ليزداد علماً، ليستمتع بنظمه العظيم، ببلاغته، إلى آخره، لكن الصحابة الكرام قرؤوا القرآن الكريم بطريقة أخرى، هذا كلام الخالق ماذا يريد مني أن أفعل ؟ يقرأ ليطبق، يقرأ لينفذ، يقرأ لينصاع إلى كلام الله، هذا الفرق بيننا وبينهم، بين أن نتثقف بالقرآن، يقول لك ثقافته القرآنية جيدة، بين أن نتثقف به وبين أن نأخذه كمنهج تطبيقي لحياتنا

(( ما آمن بالقرآن من استحل محارمه ))

 (( رب تال للقرآن و القرآن يلعنه ))[ ورد في الأثر]


 


المؤمن الصادق يقرأ ليطبق، يقرأ لينصاع إلى كلام الله، يقرأ ليسير على الطريق إلى الله،

من قرأ آية و لم يشعر أنه معني بها ففي إيمانه خلل:

أنت حينما تقرأ هذه الآية ولا تشعر أنك معني بها ففي الإيمان خلل، كان أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام يكتفون بعشر آيات يحفظونها ويعملون بها، فإذا عملوا بها انتقلوا إلى عشر آيات أخرى، أنت حينما تقرأ قراءة تطبيق، قراءة انصياع، قراءة طاعة، تكون قد تعاملت مع القرآن الكريم كما كان الصحابة الكرام يتعاملون مع القرآن الكريم، أنت حينما لا سمح الله ولا قدر دون أن تشعر أنت في مجلس تغتاب ما قيمة قراءتك لهذه الآية:

﴿ وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا ﴾( سورة الحجرات الآية: 12 )



 

المؤمن رجل مبدأ و قيم لا يتنازل عن دينه و مبادئه أبداً:

إن لم يصنع منك القرآن الكريم معجزة لن تنتفع به، مؤمن تقرأ القرآن الكريم أنت رجل مبدأ، رجل موقف، رجل قيم، رجل تحمل رسالة،

 هكذا صنع النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه، طلب خالد خمسين ألف جندي مدداً ليواجه عدواً، الصديق رضي الله عنه أرسل له رجلاً واحداً، اسمه القعقاع بن عمرو، فلما وصل إليه قال أين المدد ؟ قال له: أنا المدد، قال له: أنت ؟ قال له: أنا، معه كتاب، قرأ الكتاب، يقول أبو بكر: فو الذي بعث محمداً بالحق، إن جيشاً فيه القعقاع لا يهزم.
       

 


لذلك:

﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾ ( سورة فاطر الآية: 28 ).

العلماء وحدهم وليس أحد سواهم، فإذا أردت الدنيا

 
فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم، العلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً، ويظل المرء عالماً ما طلب العلم، فإذا ظنّ أنه قد علم فقد جهل.

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين








 

الثلاثاء، 20 مايو 2014


الفتور أسبابه وعلاجه

الإيمان يزيد وينقص، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، كما هو مقرر في عقيدة أهل السنة والجماعة، فالإيمان يعلو حتى يصل إلى الأوج والذروة، ويهبط متضائلا تارة أخرى، والفائز من لا يغالي عند التعالي، ولا يسرف عند الهبوط.

 

 

وللفتور آثاره الضارة والمهلكة على المسلم،
 ما لم يتدارك نفسه ويعمل على تجديد إيمانه، فقد يتمادى في الفتور ويتحول فتوره إلى تقصير، ثم يتحول التقصير إلى تفريط وهكذا يتشبع بالمعاصي ويستثقل الطاعة،
فعن أَبِي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :"إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكتت في قلبه نكتة سوداء فإذا هو نزع واستغفر وتاب صقل قلبه وإن عاد زيد فيها حتى تعلو قلبه وهو الران الذي ذكر الله
 (كَلَّا ۖ بَلْ ۜ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ) المطففين (14)(رواه الترمذي وصححه وأصله في صحيح مسلم)

 ومن يجب على كل مسلم أن يتفحص قلبه ويعمل على محاسبة نفسه ويجدد الإيمان في قلبه.


 

أسباب الفتور

وللفتور أسبابه منها:

1 / السرف ومجاوزة الحد في تعاطي المباحات،
 مما يؤدي إلى الكسل و التراخي، إن لم يكن الانقطاع و القعود،

لذلك قال تعالى: "يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ"سورة الأعراف 31

ومما نقل عن عمر رضي الله عنه قوله: "إياكم و البطنة في الطعام و الشراب، فإنها مفسدة للجسد، مورثة للسقم، مكسلة عن الصلاة، وعليكم بالقصد فيهما، فإنه أصلح للجسد، وأبعد من السرف، وإن الله تعالى ليبغض الحبر السمين، وإن الرجل لن يهلك حتى يؤثر شهوته على دينه).


 

2/ ومنها إيثار حياة العزلة و التفرد:
فالفرد منا يحتاج إلى من يعينه ويشد من عزمه ويذكره، لذلك
قال تعالى: "{وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ}آل عمران:103

 

 

3/ ومنها قلة تذكر الموت و الدار الآخرة:
 فإن ذلك من شأنه أن يؤدى إلى فتور الإرادة، وضعف العزيمة و في ضوء هذا نفهم الحكمة من أمره صلى الله عليه وسلم - بزيارة القبور بعد النهي و التحذير، إذ يقول :"كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها"رواه مسلم، وزاد أبو داود والنسائي: " فإنها تذكر بالآخرة".


 

4/  ومنها التقصير في عمل اليوم و الليلة:
 مثل النوم عن الصلاة المكتوبة بسبب السمر الذي لا مبرر له بعد العشاء ، ومثل إهمال بعض النوافل الراتبة ، وترك قيام الليل ، أو صلاة الضحى ، أو تلاوة القرآن.









5/ ومنها الاستهانة بالمعاصي والذنوب:
فإن ذلك ينتهي بالعامل لا محالة إلى الفتور
 


 

علاج الفتور:

ولعلاج الفتور ينبغي على المسلم

**أن يحرص على البعد عن المعاصي و السيئات كبيرها وصغيرها، فإنها نار تحرق القلوب، وتستوجب غضب الله،

**كما يجب المواظبة على عمل اليوم و الليلة: من ذكر ودعاء وضراعة، أو استغفار، أو قراءة قرآن، أو صلاة ضحى، أو قيام ليل، ومناجاة ولاسيما في وقت السحر، فإن ذلك كله مولد إيماني جيد، ينشط النفوس ويحركها ويعلى الهمم، ويقوى العزائم.

**كما يجب ترصد الأوقات الفاضلة، و العمل على إحيائها بالطاعات فإن هذا مما ينشط النفوس، ويقوى الإرادات.

 حري بنا فحص القلب، لنعرف درجته من الزيادة والنقصان، فنحمد الله أو نستدرك. وننظر ماذا خالط قلوبنا من الشوائب، التي تعكر الصفاء، و توهم بالاطمئنان في غير موضع الرجاء... كما يجب أن نحرص على إلزام أنفسنا على مصاحبة الأخيار ،
قال تعالى: "اوَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ لآية 28 ، الكهف)
 

قال ابن عباس:
لا تجاوزهم إلى غيرهم، يعني تطلب بدلهم أصحاب الشرف والثروة... كما يجب أن نتذكر الموت والجنة والنار فإن في دوام تذكرهما ما يحرك الهمم الساكنة و العزائم الفاترة، جاء عن ابن هرم بن حيان أنه كان يخرج في بعض الليالي، وينادى بأعلى صوته: "عجبت من الجنة كيف ينام طالبها، وعجبت من النار كيف نام هاربها، ثم يقول:
{ أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَآئِمُونَ) الأعراف {97}".

وختاما يجب أن يعلم كل منا أن الفتور أمر طبيعي في النفس، لكن يجب عندما يعتري الإنسان ألا يستسلم له، ويعمل على شحذ الهمة سريعا،

قال بعض السلف: جاهدت نفسي أربعين سنة حتى استقامت، فبلغت بعضهم فقال: طوبى له! أوقد استقامت؟ ما زلت أجاهدها ولم تستقم بعد أربعين سنة!

صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
 
 
 

الاثنين، 5 مايو 2014

الجنة ـ والنار


الجنة ـ والنار

شرح حديث: (حجبت النار بالشهوات...) و(الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله) صحيح البخاري من كتاب الرقائق

قال المصنف رحمه الله: [ عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (حجبت النار بالشهوات، وحجبت الجنة بالمكاره).وعن عبد الله رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله، والنار مثل ذلك) ].

 


هذان الحديثان المتتابعان يتكلمان عن الجنة والنار،

وقد جاءت الألفاظ النبوية بأمرين:

الأول: حجبت النار بالشهوات.

الثاني: حجبت الجنة بالمكاره.

وفي الحديث الثاني: أن الجنة أقرب إلى أحدنا من شراك نعله، وكذلك النار.


والجنة والنار مخلوقتان لله تبارك وتعالى، لا تبيدان ولا تفنيان، وهما موجدتان الآن، والله تبارك وتعالى جعل الجنة داراً لأوليائه، وجعل النار داراً لعصاته،

 ولما خلق الجنة بعث إليها جبريل ليراها، فلما رآها قال: (وعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها، فحفها الله جل وعلا بالمكاره)؛ لأن الجنة درجة عالية تحتاج إلى صعود،

 فلما رآها جبريل مرة أخرى قال: (وعزتك ما ظننت أن سيدخلها أحد)؛ لأن بينها وبين الناس مفاوز وهي المكاره.


 

والمكاره هي المشاق التي تحصل عند القيام بالعبادة:

كالذهاب إلى الصلوات، والصيام، وإنفاق المال،  لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ  [آل عمران:92]،

والصبر على أقدار الله جل وعلا وقضائه، والكف عن الشهوات، وغض البصر، وحفظ الفرج، فهذه كلها مكاره،

لكن الإنسان إذا هتك الحجاب وتخلص من هذه المكاره، واستطاع أن ينتصر عليها لم يكن بينه وبين الجنة شيء،

 ولهذا قال في الحديث الآخر: (الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله، والنار مثل ذلك).


قال ابن الجوزي رحمه الله تعالى:

المعنى في الحديث الثاني: أن الجنة سهل الحصول عليها إذا تحقق القصد، وقام العبد بالطاعة، وكذلك النار سهل دخولها إذا اتبع المرء هواه، وفعل المعصية.فهذان الحديثان مرتبطان بعضهما ببعض،

 وقد بينا أن الجنة والنار داران قد خلقهما الله تبارك وتعالى.فهذه الجنة كما حفها الله بالمكاره فقد حف الله جل وعلا النار بالشهوات،

 وفي رواية البخاري : حجبت، وفي رواية مسلم : حفت، والمعنى واحد متقارب.
 
 


 

والشهوات المقصود بها هنا: الشهوات المحرمات، وأما الشهوات المباحة فلا تكن بينك وبين النار.

والمقصود من الحديث الثاني إضافة إلى ما بينه ابن الجوزي أن نقول: ألا يحتقر الإنسان أي عمل يصنعه، وألا يحتقر أي معصية يفعلها، فقد تكون تلك المعصية سبباً في هلاكك، وقد تكون تلك الطاعة سبباً في نجاتك.






قال علي رضي الله عنه وأرضاه:
(إن الله أخفى اثنتين: أخفى الله أولياءه في عباده، فلا تدري من تلقاه أيهم ولي لله، وأخفى رضاه في طاعته، فلا تدري أي طاعة أطعت الله بها كانت سبباً في رضوان الله تبارك وتعالى عليك).

والمقصود من الحديثين: ألا يزدري الإنسان أي طاعة ولا يحتقرها، وأن يسابق في الخيرات وينافس بالطاعات، ويعلم أن الجنة درجة عالية تحتاج إلى صعود، ففي ذلك مشاق وعناء، أدخلنا الله وإياكم إياها.

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

السبت، 3 مايو 2014


رفع الأمانة في آخر الزمان

 (فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ينام الرجل النومة فتقبض الأمانة من قلبه، فيظل أثرها مثل أثر الوكت، ثم ينام النومة فتقبض، فيبقى أثرها مثل المجل: كجمر دحرجته على رجلك فنفط، فتراه منتبراً وليس فيه شيء، فيصبح الناس يتبايعون فلا يكاد أحد يؤدي الأمانة، فيقال: إن في بني فلان رجلاً أميناً، ويقال للرجل: ما أعقله وما أظرفه وما أجلده، وما في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان) ].نسأل الله العافية.
 
 



وهناك خلاف بين العلماء في المقصود بالأمانة في الحديث:

 فقال بعضهم: إن الأمانة في الحديث هي عين الأمانة في قول الله جل وعلا في سورة الأحزاب:  إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ  [الأحزاب:72]،

 ففسرت بالإيمان، وهو ظاهر الحديث، لكن ينبغي أن يفرق بينهما وأن يقال: إن المقصود هنا أثر الإيمان، وهناك تلازم، فإذا ضعف الإيمان تكون الخيانة، وإذا قوي الإيمان تكون الأمانة، هذا هو الصواب في فهم الحديث، فإذا ضعف الإيمان رفعت الأمانة، وحلت -عياذ بالله- الخيانة.

 
 

قوله: (مثل أثر الوكت)، الوكت: هو الأثر اليسير للشيء.

قوله: (ينام النومة) اختلف في معنى (ينام النومة)، لكن الأظهر -والله تعالى أعلم- أنه يضعف إيمانه، فالنوم أخو الموت، فشبه ضعف الإيمان بالنوم؛ لأن عدم الإيمان يسمى موتاً،  أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ  [الأنعام:122]، فيكون نومه هو ضعف إيمانه، فإذا ضعف إيمانه نجم عن ذلك -عياذاً بالله- الخيانة وقلة الأمانة،

 فالوكت هو الأثر اليسير للشيء.

ثم ذكر المجل، والمجل في اللغة: ما يكون من أثر العمل إذا غلظ، فمثلاً إذا صنعت بيدك شيئاً شاقاً فإذا فرغت من ذلك العمل فإنه يكون هناك أثر في اليد، وهذا الأثر الذي في اليد من ذلك العمل الغليظ يسمى مجلاً.

وأما التنفط فهو الانتفاخ، والإنسان -كما جاء في الحديث- إذا وطأ على جمرة ولو كانت الجمرة يسيرة فإنها تؤثر في باطن القدم، فيحصل تنفط وانتفاخ، وهذا التنفط والانتفاخ يصير وكأنه ورم وليس بداخله شيء.

فكذلك الرجل ضعيف الإيمان يرى أو يتعاهد معه ويبايع، وتقام معه العهود والمواثيق، ويظن راعيه أنه حامل للأمانة، وليس لديه من الأمانة شيء،

فيقال: إن في بني فلان رجلاً أميناً ثم أتى بأسلوب تعجب: (ما أظرفه ما أعقله ما أجلده)، وهذا كله يسمى أسلوب تعجب وهو في الحقيقة مدح من الناس على الظاهر، لكنك إذا تبايعت معه وتعاملت معه فإنك لا تجد عنده من الأمانة شيئاً أبداً.




وعمر رضي الله عنه يقول: (اللهم أشكو إليك ضعف الأمين، وفجور القوي).لكن إذا اجتمعت في الإنسان قوة في أداء العمل، مع أمانة ومراقبة الله جل وعلا في عمله الذي أوكل إليه،

وهذا الحديث يبين: أن يحرص الإنسان على أن يتقي الله جل وعلا فيما أوكل إليه، وأن يبتعد كل البعد عن الغدر، وعن الخيانة، وعن نقض العود والمواثيق وأشباه ذلك مما يقدح في إيمان العبد؛ لأن السلوك الذي تصنعه مع الغير إنما هو دليل على إيمانك قوة أو ضعفاً، فمن كان الإيمان واليقين راسخاً في قبله كان تعامله مع الناس حق أمين،


 


 والله جل وعلا ذكر في كتابه المكر والخديعة والخيانة،

 فنسب لذاته العلية المكر والخديعة مقيدتين، ولم ينسب الخيانة إلى ذاته.قال الله جل وعلا وهو خير القائلين:  وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ  [الأنفال:30]،

وقال جلا وعلا:  يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ  [النساء:142].

ولما ذكر أهل الخيانة قال:  وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ  [الأنفال:58]. فلم يقل: فخنهم، ولم ينسبها إلى نبيه،  فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ  [الأنفال:58]

يعني: أظهر الأمر لهم جلياً أن ما بيني وبينكم انتهى، وقد يفسر: كن واضحاً معهم، هذا هو المعنى الحرفي للآية،

فالمقصود أن الخيانة مذمومة على كل وجه، ولا يليق بمسلم أن يصنعها، وهي من الدلائل والبراهين والقرائن على قوة الإيمان أو ضعفه،
 
          وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.