الجمعة، 5 مارس 2021




شرح كتاب رياض الصالحين (1- باب الإخلاص وإحضار النيةَّ)

حديث عائشة رضي الله عنها(لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ)

الحمد الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى اله وصحبه أجمعين

قال المؤلف رحمه الله :

3) عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال النبي صلى الله عليه وسلم «لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا». متفق عليه.

ومعناه: لا هجرة من مكة؛ لأنها صارت دار إسلام

                            

 

* لا هجرة بعد الفتح.

قوله ﷺ «لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ»

قال الشيخ محمد العثيمين رحمه الله:

هذا الحديث نفى رسول الله صلى الله عليه وسلم الهجرة بعد الفتح

«لَا هِجْرَةَ» المراد بالنفي هنا نفي الهجرة من مكة ,لأن مكة بعد الفتح صارت بلاد إسلام ولن تعود بعد ذلك بلاد كفر.

دليل على أن مكة لن تعود لتكون بلاد كفر بل ستبقى بلاد إسلام إلى أن تقوم الساعة أو إلى أن يشاء الله .(شرح كتاب رياض الصالحين الشيخ محمد العثيمين 1/ 24ـ25)

 

                            

 

س: كيف نوافق بين هذا الحديث (لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ) وبين حديث (لا تنقطعُ الهجرةُ حتى تنقطعَ التوبةُ )؟

* قال الشيخ العلامة ابن باز رحمه الله:

ومعناه عند أهل العلم: لا هجرة من مكة بعدما فتحها الله على نبيه عليه الصلاة والسلام، وليس المعنى نفي الهجرة بالكلية لا.

المراد: لا هجرة بعد الفتح يعني: من مكة إلى المدينة؛ لأن الله سبحانه جعلها دار إسلام بعد فتحها، فلم يبق هناك حاجة إلى الهجرة منها، بل المسلمون فيها يبقون فيها.

وأما الهجرة نفسها فهي باقية؛ ولهذا جاء في الحديث الصحيح:

« لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ، وَلَا تَنْقَطِعُ التَّوْبَةُ حَتَّى تَخْرُجَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا»(أخرجه أبو داود رقم (2479)كتاب الجهاد وأحمد في المسند (4/ 99)وهو في صحيح الجامع رقم)7469)

 

                             

* الأمر بالجهاد .

قوله ﷺ «وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ»

* قال الشيخ محمد العثيمين :

«وَلَكِنْ جِهَادٌ »الأمر بعد هذا جهاد؛ أي: يخرج أهلُ مكَّة من مكَّة إلى الجهاد.

« وَنِيَّةٌ » النِّيَّة الصالحة للجهاد في سبيل الله، وذلك بأن ينوي الإنسانُ بجهاده، أن تكون كلمة الله هي العليا.

 وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:

«لَا يُكْلَمُ أَحَدٌ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ (أي: يُجْرَح) إِلَّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَجُرْحُهُ يَثْعَبُ، اللَّوْنُ لَوْنُ الدَمِ، وَالرِّيحُ رِيحُ المِسْكِ».

فأنظر كيف اشترط النبي صلى الله عليه وسلم للشهادة أن يكون الإنسانُ يقاتل في سبيل الله؛ والقتال في سبيل الله: أن يُقَاتِلَ لتكون كلمة الله هي العليا.( شرح كتاب رياض الصالحين الشيخ محمد العثيمين 1/ 25ـ 28)

                            

* مواضع الجهاد في سبيل الله:

قاله ﷺ «وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا»

* قال الشيخ محمد العثيمين:

الموضع الأول: إذا استنفركم وليُّ أمركم للجهاد في سبيل الله، فانفروا وجوبًا.

وحينئذ يكون الجهاد فرضَ عين؛ إذا استُنْفِر الناسُ للجهاد؛ وجب عليهم أن ينفروا، وألَّا يتخلف أحد؛ إلَّا مَن عَذَرَه اللهُ.

 لقول الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ * إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا ﴾ (التوبة: 38، 39)

الموضع الثاني: إذا حضر بَلْدَةً العدوُّ.

أي: جاء العدوُّ حتى وصل إلى البلد، وحَصَرَ البلدَ، صار الجهادُ فرضَ عين، ووجب على كل أحد أن يقاتل؛ حتى على النساء والشيوخ القادرين في هذه الحال؛ لأن هذا قتال للدفاع عن بلدهم.

الموضع الثالث: إذا حضر الصف.

 والتقى الصفَّانِ؛ صَفُّ الكفار وصَفُّ المسلم؛ صار الجهاد حينئذ فرض عين

ولا يجوز لأحد أن ينصرف.

كما قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ * وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴾ [الأنفال: 15، 16].

الموضع الرابع: إذا احتيج إلى الإنسان.

 بأن يكون السلاح لا يعرفه إلا فَرْدٌ من الأفراد، وكان الناس يحتاجون إلى هذا الرَّجُل؛ لاستعمال هذا السلاح الجديد مثلًا؛ فإنه يَتعيَّن عليه أن يجاهد وإن لم يستنفره الإمام؛ وذلك لأنه مُحْتَاج إليه.

ففي هذه المواطن الأربعة يكون الجهاد فرض عين؛ وما سوى ذلك فإنه يكون فرض كفاية. .(شرح كتاب رياض الصالحين الشيخ محمد العثيمين 1/25ـ26ـ27)

                                 

 * طلب العلم من الجهاد :

السؤال: ما الأفضل في هذا الوقت: الجهاد في سبيل الله، أم طلب العلم ونفع الناس وإزالة الجهل؟

* قال الشيخ العلامة ابن باز رحمه الله:

طلب العلم من الجهاد، وهو واجب للتفقه في الدين وطلب العلم من أفضل الأعمال. ولكن عليه أن يتعلم ويتفقه في الدين، وهو أفضل ومقدم على الجهاد؛ لأنه واجب عليه أن يتفقه في دينه، والجهاد مستحب فرض كفاية؛ إذا قام به البعض سقط عن الباقين، لكن تعلم الإنسان العلم أمر مفترض عليه ليتفقه في دينه.

أما الجهاد الواجب؛ الذي يهجم العدو على البلد، فيجب على الجميع الجهاد إذا هجم العدو على بلاد المسلمين، وجب عليهم كلهم أن يجاهدوا، وأن يدفعوا شر العدو كلهم، حتى النساء يجب عليهن أن يدفعن شر العدو بما استطاعوا. (مجموع فتاوى ومقالات الشيخ ابن باز 24/ 74).

صل الله على نبينا محمد وعلى اله وصحبه أجمعين

السبت، 20 فبراير 2021


شرح كتاب رياض الصالحين (1- باب الإخلاص وإحضار النيةَّ)

حديث عائشة رضي الله عنها( يغزو جيش الكعبة )

الحمد الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى اله وصحبه أجمعين

قال المؤلف رحمه الله :

2) عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أُمِّ عَبْدِاللهِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

«يَغْزُو جَيْشٌ الْكَعْبَةَ، فَإِذَا كَانُوا بِبَيْدَاءَ مِنَ الْأَرْضِ يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ»، قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ، وَفِيهِمْ أَسْوَاقُهُمْ، وَمَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ؟ قَالَ: «يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ، ثُمَّ يُبْعَثُونَ عَلَى نِيَّاتِهِمْ»؛ متفق عليه، هذا لفظ البخاري.

                       

* قبل بعثة النبي عليه الصلاة والسلام الكعبة غُزِيَت الكعبة مِن قِبَلِ اليمن:

أهل اليمن الذين جاؤوا لهدم الكعبة بفيل عظيم أرسله إليهم ملك الحبشة

وسبب ذلك :

أن ملك اليمن أراد أن يصد الناس عن الحج إلى الكعبة، بيت الله عز وجل فبنى بيتاً يشبه الكعبة، ودعى الناس إلى حجه ليصدهم عن حج بيت الله فغضب لذلك العرب، وذهب رجل منهم إلى هذا البيت الذي جعله ملك اليمن بدلاً عن الكعبة وتغوَّط فيه، ولطخ جدرانه بالقذر

فغضب ملك اليمن غضباً شديداً، وأخبر ملك الحبشة بذلك فأرسل إليه هذا الفيل العظيم

قيل: وكان معه ستة فيلة لتساعده فجاء ملك اليمن بجنوده ليهدم الكعبة على زعمه

ولكن الله سبحانه حافظ بيته، فلما وصلوا إلى مكان يسمى المغمَّس وقف الفيل وحرن، وأبى أن يتجه إلى الكعبة فزجره سايسه ولكنه أبى، فإذا وجهوه إلى اليمن انطلق يهرول، وإن وجهوه إلى مكة وقف. وهذه آية من آيات الله عز وجل، ثم بقوا حتى أرسل الله عليهم طيراً أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل.(البداية والنهاية لأبن كثير ـرحمه الله ـ (3/139) .(التفسير الثمين الشيخ محمد العثيمين 602/10)

* قال الشيخ محمد العثيمين :

الأبابيل: يعني الجماعات الكثيرة من الطيور، وكل طير يحمل حجرًا قد أمسكه بِرِجْلِه، ثم يرسله على الواحد منهم، حتى يضربه مع هامته ويخرج إلى دبره،

لقوله تعالى ﴿ فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ ﴾ [الفيل: 5]

 كأنهم زرع أكلته البهائم، وأندَكُّوا في الأرض.

فحمى اللهُ عَزَّ وجَلَّ بيتَه من كيد هذا الملك الظالم الذي جاء ليهدم بيت الله.(شرح رياض الصالحين الشيخ محمد العثيمين 1/22ـ23)

                      

* في آخر الزمان يغزو الكعبة، جيش عظيم.

قال الشيخ محمد العثيمين :

عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أُمِّ عَبْدِاللهِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

«يَغْزُو جَيْشٌ الْكَعْبَةَ، فَإِذَا كَانُوا بِبَيْدَاءَ مِنَ الْأَرْضِ يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ»، قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ، وَفِيهِمْ أَسْوَاقُهُمْ، وَمَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ؟ قَالَ: «يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ، ثُمَّ يُبْعَثُونَ عَلَى نِيَّاتِهِمْ»(أخرجه البخاري رقم (2118) كتاب البيوع ومسلم (2884) كتاب الفتن.)

ذَكَرَ المؤلِّفُ حديثَ عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أنه يغزو جيش الكعبة؛ الكعبة المُشَرَّفة حماها الله، وأنقذها من كل شَرٍّ.

«حَتَّى إِذَا كَانُوا بِبَيْدَاءَ مِنَ الْأَرْضِ» بأرضٍ واسعة مُتَّسعة،

«خَسَفَ اللهُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ» خُسِفَت بهم الأرض، وساخوا فيها هم وأسواقهم، وكُلُّ مَن معهم.

وفي هذا دليل على أنهم جيش عظيم؛ لأن معهم أسواقهم؛ للبيع والشراء وغير ذلك؛ فَيَخْسِفُ الله بأولهم وآخرهم.

لَمَّا قال الرسول صلى الله عليه وسلم هذا، ورَدَ على خاطر عائشة رضي الله عنها سؤال

 فقالت: يا رسول الله، كيف يُخْسَف بأولهم وآخرهم، وفيهم أسواقهم، ومَن ليس منهم؟»

 أسواقهم: الذين جاؤوا للبيع والشراء، ليس لهم قصدٌ سيئ في غزو الكعبة، وفيهم أُنَاس ليسوا منهم؛ تبعوهم من غير أن يعلموا بِخُطَّتِهِم.

 فقال الرسول صلى الله عليه وسلم:

«يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ، وَأَسْوَاقِهِمْ وَمَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ، ثُمَّ يُبْعَثُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى نِيَّاتِهِمْ»

هذا فَرْدٌ من أفراد قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «إنَّما الأَعمالُ بالنِّيَّاتِ، وإِنَّمَا لِكُلِّ امرئٍ مَا نَوَى».

هذا الحديث عِبرة:

 أنَّ مَن شارك أهلَ الباطل، وأهلَ البغي والعدوان؛ فإنه يكون معهم في العقوبة؛ الصالح والطالح، العقوبة إذا وقعت تَعُمُّ الصالح والطالح، والبَرَّ والفاجر، والمؤمن والكافر، والمصلي والمستكبر، ولا تترك أحدًا، ثم يوم القيامة يُبْعَثون على نيَّاتهم.

والشاهد من هذا الحديث:

قولُ الرسول صلى الله عليه وسلم:

«ثُمَّ يُبْعَثُونَ عَلَى نِيَّاتِهِمْ» فهو كقوله: «إنَّما الأَعمالُ بالنِّيَّاتِ، وإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى».(شرح رياض الصالحين الشيخ محمد العثيمين 1/23ـ 24)

صل الله على نبينا محمد وعلى اله وصحبه أجمعين

الخميس، 4 فبراير 2021


شرح كتاب رياض الصالحين (1- باب الإخلاص وإحضار النيةَّ)

         حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه( إنَّما الأعمالُ بالنِّيَّاتِ)


الحمد الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى اله وصحبه أجمعين

قال المؤلف رحمه الله :

1- وعن أمير المؤمنين أبي حفص عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزي بن رباح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي العدوي ـ رضي الله عنه ـ قال: سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول:

 (إنَّما الأعمالُ بالنِّيَّاتِ وإنَّما لِكلِّ امرئٍ ما نوى فمن كانت هجرتُهُ إلى اللَّهِ ورسولِهِ فَهجرتُهُ إلى اللَّهِ ورسولِهِ ومن كانت هجرتُهُ إلى دنيا يصيبُها أو امرأةٍ ينْكحُها فَهجرتُهُ إلى ما هاجرَ إليْهِ) متفق على صحته؛ رواه إماما المحدثين: أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم ابن المغيرة بن بردزبة الجعفي البخاري، وأبو الحسين مسلم بن الحجاج ابن مسلم القشيري النيساوي ـ رضي الله عنهما ـ في صحيحيهما اللذين هما اصح الكتب المصنفة.

شرح الشيخ محمد العثيمين رحمه الله:

ذكر المؤلف هذا بحديث عمر بن الخطاب الذي قال فيه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول(إنَّما الأعمالُ بالنِّيَّاتِ وإنَّما لِكلِّ امرئٍ ما نوى)

هاتان الجملتان بينهما فرقاً عظيماً

ـ فالأولي سبب (إنَّما الأعمالُ بالنِّيَّاتِ)

يبين فيها النبي صلي الله عليه وسلم أن كل عمل لابد فيه من نية، فكل عمل يعمله الإنسان وهو عاقل مختار، فلابد فيه من نية، ولا يمكن لأي عاقل مختار أن يعمل عملاً إلا بنية

كيف تعمل وأنت في عقلك، وأنت مختار غير مكره، كيف تعمل عملاً بلا نية؟ ! هذا مستحيل؛ لأن العمل ناتج عن إرادة والإرادة هي النية.

ـ والثانية نتيجة (وإنَّما لِكلِّ امرئٍ ما نوى)

فكل امرئ له ما نوي: إن نوي الله والدار الآخر في أعماله الشرعية، حصل له ذلك، وإن نوي الدنيا، قد تحصل وقد لا تحصل.

 

                      

                           

 

* الأمثال النبوية :

ثم ضرب النبي صلي الله عليه وسلم مثلاً يطبق هذا الحديث عليه.

 قال: (فمن كانت هجرتُهُ إلى اللَّهِ ورسولِهِ فَهجرتُهُ إلى اللَّهِ ورسولِهِ ومن كانت هجرتُهُ إلى دنيا يصيبُها أو امرأةٍ ينْكحُها فَهجرتُهُ إلى ما هاجرَ إليْهِ)

ـ الهجرة : أن ينتقل الإنسان من دار الكفر إلي دار الإسلام.

ـ يختلفون الناس في الهجرة.

الأول: منهم من يهاجر، ويدع بلده إلى الله ورسوله.

هذا هو الذي ينال الخير فقد أدرك ما نوي. ولهذا قال(فَهجرتُهُ إلى اللَّهِ ورسولِهِ)

الثاني: هاجر لدنيا يصيبها.

رجل يحب جمع المال، فسمع أن بلاد الإسلام مرتعاً خصباً يصيبها خصباً لاكتساب الأموال، فهاجر من بلد الكفر إلى بلد الإسلام؛ من أجل الماء فقط.

الثالث: رجل هاجر من بلد الكفر إلى بلد الإسلام؛ يريد امرأة يتزوجها.

 قيل له: لا نزوجك إلا في بلاد الإسلام، ولا تسافر بها إلي بلد الكفر، فهاجر من بلده إلى بلاد الإسلام؛ من أجل أن يتزوج هذه المرأة.

فمريد الدنيا ومريد المرأة، لم يهاجر إلي الله ورسوله، ونية الهجرة لإرادة الدنيا والمرأة؛ نية منحطة سافلة.

ولهذا قال النبي صلي الله عليه وسلم (فَهجرتُهُ إلى ما هاجرَ إليْهِ)

                                

 

أقسام الهجرة:

الهجرة تكون للعمل، وتكون للعامل، وتكون للمكان.

القسم الأول: هجرة المكان.

أن ينتقل الإنسان من مكان تكثر فيه المعاصي، ويكثر فيه الفسوق، إلى مكان لا يوجد فيه ذلك.

القسم الثاني: هجرة العمل.

  أن يهجر الإنسان ما نهاه الله عنه من المعاصي والفسوق.

كما قال النبي صلي الله عليه وسلم:

(المسلمُ من سَلِمَ المسلمونَ من لسانهِ ويدهِ، والمهاجرُ من هجر ما نهى اللهُ عنه) أخرجه البخاري (10) واللفظ له، ومسلم (40) مختصراً.

 فتهجر كل ما حرم الله عليك، سواء كان مما يتعلق بحقوق الله، أو ما يتعلق بحقوق عباد الله؛ فتجهر السبب والشتم والقتل والغش وأكل المال بالباطل وعقوق الوالدين وقطيعة الأرحام وكل شيء حرم الله تهجره، حتى لو أن نفسك دعتك إلى هذا وألحت عليك، فاذكر أن الله حرم ذلك حتى تهجره وتبعد عنه.

القسم الثالث: هجرة العامل.

فإن العامل قد تجب هجرته أحياناً، قال أهل العلم: مثل الرجل المجاهر بالمعصية؛ الذي لا يبالي بها؛ فإنه يشرع هجره إذا كان في هجره فائدة ومصلحة.

ومثال ذلك: رجل معروف بالغش بالبيع والشراء؛ فيهجره الناس، فإذا هجروه تاب من هذا ورجع وندم.

أما إذا كان الهجر لا يفيد ولا ينفع وهو من أجل معصية، فإنه لا يحل هجره.

لأن النبي صلي الله عليه وسلم قال:

 (لا يَحِلُّ لِرَجُلٍ أنْ يَهْجُرَ أخاهُ فَوْقَ ثَلاثِ لَيالٍ، يَلْتَقِيانِ: فيُعْرِضُ هذا ويُعْرِضُ هذا، وخَيْرُهُما الذي يَبْدَأُ بالسَّلامِ) أخرجه البخاري (6077)، ومسلم (2560)


الدليل على ذلك:

 قصة كعب بن مالك - رضي الله عنه، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع - رضي الله عنهم - الذين تختلفوا عن غزوة تبوك

فهجرهم النبي صلي الله عليه وسلم وأمر المسلمين بهجرهم، لكنهم انتفعوا في ذلك انتفاعا عظيماً ولجأوا إلي الله، وضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وضاقت عليهم أنفسهم، وأيقنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه فتابوا وتاب الله عليهم.(شرح رياض الصالحين الشيخ محمد العثيمين 1/11ـ 21)

صل الله على نبينا محمد وعلى اله وصحبه أجمعين


الاثنين، 18 يناير 2021



شرح كتاب رياض الصالحين

(1ـ باب الإخلاص وإحضار النية في جميع الأعمال والأقوال البارزة والخفية]

* الآيات القرآنية الواردة في هذا الباب:

قال الله تعالى (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ) (البينة: 5)

 وقال تعالى( لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ) (الحج: من الآية37)

وقال تعالى (قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ) (آل عمران: من الآية29)

* قال الشيخ محمد العثيمين :

قال المؤلف رحمه الله تعالى(باب الإخلاص وإحضار النية، في جميع الأعمال والأقوال البارز والخفية)

النية: محلها القلب، ولا محل لها في اللسان في جميع الأعمال؛

 لأن النبي صلي الله عليه وسم كان يتوضأ، ويصلي ويتصدق، ويصوم ويحج، ولم يكن ينطق بالنية، فلم يكن يقول: اللهم إني نويت أن أتوضأ، اللهم إني نويت أن أصلي.

يجب علي الإنسان أن يخلص النية لله سبحانه وتعالي في جميع عباداته، وأن لا ينوى بعباداته إلا وجه الله والدار الآخرة.

وهذا هو الذي أمر الله به في قوله: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ) ، أي مخلصين له العمل

 (وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ) وينبغي أن يستحضر النية، أي: نية الإخلاص في جميع العبادات, فينوى مثلاً الوضوء، وأنه توضأ لله، وأنه توضأ أمثالاً لأمر الله.

* فهذه ثلاثة أشياء:

نية العبادة, ونية أن تكون لله, ونية أنه قام بها امتثالاً لأمر الله.

* مثال في الصلاة:

أولاً: الصلاة، وأنها الظهر، أو العصر، أو المغرب، أو العشاء ن أو الفجر، أو ما أشبه ذلك،

ثانياً: أنك إنما تصلي لله عز وجل لا لغيره، لا تصلي رياء ولا سمعة، ولا لتمدح على صلاتك، ولا لتنال شيئاً من المال أو الدنيا،

ثالثاً: تستحضر أنك تصلي امتثالاً لأمر ربك .

ربما يعمل العبد عملاً يظهر أمام الناس أنه عمل صالح، وهو عمل فاسد أفسدته النية، لأن الله يعلم ما في القلب

ولا يجازى الإنسان يوم القيامة إلا على ما في قلبه

لقوله تعالى (أَفَلا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ* وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ) (العاديات: 9-10) .

ـ في الآخرة: يكون الثواب والعقاب، والعمل والاعتبار بما في القلب.

ـ  في الدنيا: فالعبرة بما ظهر، فيعامل الناس بظواهر أحوالهم، ولكن هذه الظواهر: إن وافقت ما في البواطن، صلح ظاهره وباطنه ، وإن خالفت وصار القلب منطوياً على نية فاسد.

كما جاء في الحديث الصحيح :

عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم:

قال اللّه تبارك وتعالى (أنا أغْنَى الشُّركاء عن الشِّرك، مَن عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه) رواه مسلم 2985)

واعلم:

أن الشيطان قد يأتيك عند إرادة عمل الخير، فيقول لك: إنك إنما تعمل هذا رياء، فيحبط همتك ويثبطك ولكن لا تلتفت إلي هذا، ولا تطعه، بل اعمل ولو قال لك: إنك إنما تعمل رياء أو سمعة؛ لأنك لو سئلت: هل أنت الآن تعمل هذا رياء وسمعة؟ : لا!!

إذن فهذا الوسواس الذي أدخله الشيطان في قلبك، لا تلتفت له، وافعل لخير؛ ولا تقل: إني أرائي وما أشبه ذلك.(شرح كتاب رياض الصالحين الشيخ محمد العثيمين 1/ 9ـ10ـ11)

صل الله على نبينا محمد وعلى اله وصحبه أجمعين


الأحد، 17 يناير 2021




 
رياض الصالحين (المقدمة)

شرح كتاب (رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين)

للإمام الحافظ الفقيه أبي زكريا يحيى بن شرف النووي

شرح فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين

الحمد الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى اله وصحبه أجمعين

* المقدمة.

هذا الكتاب يحتوي على تعليقات نافعه لفضيلة شيخنا محمد بن صالح العثيمين ـ رحمه الله تعالي ـ لجمل كبيرة من الأحاديث الواردة في كتاب:

 ((رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين)) للإمام النووي ـ رحمه الله تعالي ـ

* قال الشيخ محمد العثيمين رحمه الله:

إن الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا؛ من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، واشهد أن لا إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) (آل عمران: 102)

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً) (النساء: 1)

 يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً) (يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً) (الأحزاب 70/71) .

أما بعد:

فإن اصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلي الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

فهذه الخطبة الطويلة المفيدة ((لكتاب رياض الصالحين)) الذي ألفه الشيخ الحافظ النووي ـ رحمه الله ـ وهو كتاب جيد.

ورأيت أن نبدأ فيه ؛ لأنه كتاب نافع للقلوب، وللأعمال الظاهرة والمتعلقة بالجوارح؛ لذلك ينبغي أن يعتني بهذا الكتاب.

وقد طلب ـ رحمه الله ـ ممن انتفع به أن يدعو له ولوالديه ولسائر المسلمين؛ فنسأل الله أن يغفر له ولوالديه ولسائر المسلمين، وأن يجمعنا وإياه وإخواننا المؤمنين في دار كرامته؛ إنه جواد كريم، ، وأن ينفعنا بهن وأن يغفر لمؤلفه وأن يجزيه عن الإسلام والمسلمين خيراً، والله الموفق.

صل الله على نبينا محمد وعلى اله وصحبه أجمعين