الأربعاء، 12 يونيو 2019


تفسير جزء عم (سورة النبأ)(2)

{قال الله تعالى}

({إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَتاً * يَوْمَ يُنفَخُ فِى الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً * وَفُتِحَتِ السَّمَآءُ فَكَانَتْ أَبْوَباً * وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَاباً * إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً * لِّلطَّغِينَ مَاباً * لَّبِثِينَ فِيهَآ أَحْقَاباً * لاَّ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلاَ شَرَاباً * إِلاَّ حَمِيماً وَغَسَّاقاً * جَزَآءً وِفَقاً * إِنَّهُمْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ حِسَاباً * وَكَذَّبُواْ بِايَتِنَا كِذَّاباً * وَكُلَّ شَىْءٍ أَحْصَيْنَهُ كِتَباً * فَذُوقُواْ فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَاباً} .)النبأ (17ـ 30)




الفوائد على هذه الآيات.

1ـ يوم القيامة.

في قوله تعالى {إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَتاً * يَوْمَ يُنفَخُ فِى الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً * وَفُتِحَتِ السَّمَآءُ فَكَانَتْ أَبْوَباً * وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَاباً ) النبأ (17ـ20)

قوله تعالى {إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَتاً)

قال ابن كثير:

يقول تعالى مخبرا عن يوم الفصل ، وهو يوم القيامة ، أنه مؤقت بأجل معدود ، لا يزاد عليه ولا ينقص منه ، ولا يعلم وقته على التعيين إلا الله - عز وجل(تفسير ابن كثير 4/463)

قال الشيخ محمد العثيمين :

وهو يوم القيامة، وسمي يوم فصل لأن الله يفصل فيه بين العباد فيما شجر بينهم، وفيما كانوا يختلفون فيه، فيفصل بين أهل الحق وأهل الباطل، وأهل الكفر وأهل الإيمان، وأهل العدوان وأهل الاعتدال، ويفصل فيه أيضاً بين أهل الجنة والنار، فريق في الجنة وفريق في السعير.

ـ قوله تعالى {كان ميقاتاً}

يعني ميقاتاً للجزاء موقوتاً لأجل معدود. وما ظنك بشيء له أجل معدود وأنت ترى الأجل كيف يذهب سريعاً يوماً بعد يوم حتى ينتهي الإنسان إلى آخر مرحلة، فكذلك الدنيا كلها تسير يوماً بعد يوم حتى تنتهي إلى آخر مرحلة، كل شيء معدود فإنه ينتهي.( التفسير الثمين الشيخ محمد العثيمين 10/ 408)




وقوله تعالى ( يَوْمَ يُنفَخُ فِى الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً)

والنافخ الموكل فيها إسرافيل، ينفخ فيها نفختين:

 الأولى: يفزع الناس ثم يصعقون فيموتون

والثانية: يبعثون من قبورهم وتعود إليهم أرواحهم

ولهذا قال هنا: {يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجاً}

وفي الآية إيجاز بالحذف أي فتحيون فتأتون أفواجاً؛ فوجاً مع فوج أو يتلو فوجاً، وهذه الأفواج والله أعلم ـ بحسب الأمم كل أمة تدعى إلى كتابها لتحاسب عليه، فيأتي الناس أفواجاً في هذا الموقف العظيم الذي تسوى فيه الأرض فيذرها الله عز وجل قاعاً صفصفاً لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً. .( التفسير الثمين الشيخ محمد العثيمين 10/ 408)

* عَنْ  أَبِي هُرَيْرَةَ  ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

مَا بَيْنَ  النَّفْخَتَيْنِ أَرْبَعُونَ قَالُوا : يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَرْبَعُونَ يَوْمًا ؟ قَالَ : أَبَيْتُ ، قَالُوا : أَرْبَعُونَ شَهْرًا ؟ قَالَ : أَبَيْتُ ، قَالُوا : أَرْبَعُونَ سَنَةً ؟ قَالَ : أَبَيْتُ ، ثُمَّ يُنْزِلُ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيَنْبُتُونَ ، كَمَا يَنْبُتُ  الْبَقْلُ  قَالَ : وَلَيْسَ مِنَ الْإِنْسَانِ شَيْءٌ إِلَّا  يَبْلَى ، إِلَّا عَظْمًا وَاحِدًا ، وَهُوَ  عَجْبُ الذَّنَبِ ، وَمِنْهُ يُرَكَّبُ الْخَلْقُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"(صحيح مسلم باب مابين النفختين 5387 ) (تفسير ابن كثير 4/463)


 

وقوله تعالى (وَفُتِحَتِ السَّمَآءُ فَكَانَتْ أَبْوَباً)

فتحت وانفرجت فتكون أبواباً يشاهدها الناس بعد أن كانت سقفاً محفوظاً تكون في ذلك اليوم أبواباً مفتوحة، وفي هذا دليل على كمال قدرة الله عز وجل أن هذه السبع الشداد يجعلها الله تعالى يوم القيامة كأن لم تكن، تكون أبواباً. .( التفسير الثمين الشيخ محمد العثيمين 10/ 409)

قال ابن كثير:

أي طرقا ومسالك لنزول الملائكة. (تفسير ابن كثير 4/463)



وقوله تعالى (وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَاباً)

ـ أي أن الجبال العظيمة الصماء تُدك فتكون كالرمل ثم تكون كالسراب تسير. .( التفسير الثمين الشيخ محمد العثيمين 10/ 409)

ـ يخيل إلى الناظر أنها شيء ، وليست بشيء ، بعد هذا تذهب بالكلية ، فلا عين ولا أثر ، كما قال : ( ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا فيذرها قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا ) [ طه : 105 - 107 ] (تفسير ابن كثير 4/464)


 

2) وصف أهل النار .

في قوله تعالى(إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً * لِّلطَّغِينَ مَاباً * لَّبِثِينَ فِيهَآ أَحْقَاباً * لاَّ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلاَ شَرَاباً * إِلاَّ حَمِيماً وَغَسَّاقاً * جَزَآءً وِفَقاً * إِنَّهُمْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ حِسَاباً * وَكَذَّبُواْ بِايَتِنَا كِذَّاباً * وَكُلَّ شَىْءٍ أَحْصَيْنَهُ كِتَباً * فَذُوقُواْ فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَاباً}النبأ (21ـ 30)

قوله تعالى (إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً)

وقتادة في قوله تعالى "إن جهنم كانت مرصادا"

يعني أنه لا يدخل أحد الجنة حتى يجتاز بالنار فإن كان معه جواز نجا وإلا احتبس. (تفسير ابن كثير 4/464)

أي مرصدة ومعدة للطاغين وجهنم أسم من أسماء كثيرة

س: لماذا سميت جهنم بهذا الاسم؟

وسميت بهذا الاسم لأنها ذات جهمة وظلمة بسوادها وقعرها آعاذنا الله وإياكم منها .

وهي مرصاد للطاغين قد اعدها الله عز وجل لهم من الآن ..( التفسير الثمين الشيخ محمد العثيمين 10/ 409

* فهي موجودة حين عرضت عليه وهو يصلي صلاة الكسوف .

حديث:  عن عَائِشَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَتْ:

(خَسَفَتِ الشَّمْسُ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ،فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَقَامَ وَكَبَّرَ، وَصَفَّ النَّاسُ وَرَاءَهُ، فَاقْتَرَأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قِرَاءَةً طَوِيلَةً، ثُمَّ كَبَّرَ فَرَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ»، ثُمَّ قَامَ، فَاقْتَرَأَ قِرَاءَةً طَوِيلَةً هِيَ أَدْنَى مِنَ الْقِرَاءَةِ الْأُولَى، ثُمَّ كَبَّرَ، فَرَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا هُوَ أَدْنَى مِنَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ قَالَ: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ»، ثُمَّ سَجَدَ -وَلَمْ يَذْكُرْ أَبُو الطَّاهِرِ: ثُمَّ سَجَدَ- ثُمَّ فَعَلَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُخْرَى مِثْلَ ذَلِكَ، حَتَّى اسْتَكْمَلَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ، وَانْجَلَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَنْصَرِفَ، ثُمَّ قَامَ فَخَطَبَ النَّاسَ، فَأَثْنَى عَلَى اللهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ، لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ، وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهَا فَافْزَعُوا لِلصَّلَاةِ»، وَقَالَ أَيْضًا: «فَصَلُّوا حَتَّى يُفَرِّجَ اللهُ عَنْكُمْ»، وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «رَأَيْتُ فِي مَقَامِي هَذَا كُلَّ شَيْءٍ وُعِدْتُمْ، حَتَّى لَقَدْ رَأَيْتُنِي أُرِيدُ أَنْ آخُذَ قِطْفًا مِنَ الْجَنَّةِ حِينَ رَأَيْتُمُونِي جَعَلْتُ أُقَدِّمُ - وقَالَ الْمُرَادِيُّ: أَتَقَدَّمُ - وَلَقَدْ رَأَيْتُ جَهَنَّمَ يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا، حِينَ رَأَيْتُمُونِي تَأَخَّرْتُ، وَرَأَيْتُ فِيهَا ابْنَ لُحَيٍّ، وَهُوَ الَّذِي سَيَّبَ السَّوَائِبَ». وَانْتَهَى حَدِيثُ أَبِي الطَّاهِرِ عِنْدَ قَوْلِهِ: «فَافْزَعُوا لِلصَّلَاةِ»، وَلَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ). أخرجه البخاري، رقم (431) كتاب الصلاة.

* ورأي فيها امرأة تعذب في قطة لها حبستها لا هي أطعمتها ولا أرسلتها تاكل من خشاش الأرض.

حديث : قَالَ صلى الله عليه وسلم  :

«دَخَلَتْ امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ، رَبَطَتْهَا، فَلَا هِيَ أَطْعَمَتْهَا، وَلَا هِيَ أَرْسَلَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ حَتَّى مَاتَتْ هَزْلًا» أخرجه مسلم رقم (904) كتاب الكسوف..

*ورأي فيها عمرو بن لحي الخزاعي يجر قصبه في النار يعني امعائه لأنه كان أول من أدخل الشرك على العرب

حديث: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (رأيت عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف أبا بني كعب هؤلاء يجر قصبه في النار)]. أخرجه البخاري رقم (2623) كتاب التفسير، ومسلم رقم (2856) كتاب الجنة. .( التفسير الثمين الشيخ محمد العثيمين 10/ 409)




وقوله تعالى (لِّلطَّغِينَ مَاباً)

وهم المردة العصاة المخالفون للرسل

ـ  وقوله تعالى (مآبا)

أي مرجعا ومتقلبا ومصيرا ونزلا. (تفسير ابن كثير 4/464)



وقوله تعالى (لَّبِثِينَ فِيهَآ أَحْقَاباً)

أي باقين فيها، {أَحْقَاباً} أي مدداً طويلة؛

* وقد دل القرآن الكريم على أن هذه المدد لا نهاية لها وأنها مدد أبدية كما جاء ذلك مصرحاً به في ثلاث آيات من كتاب الله

1/ في سورة النساء في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا  إِلا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا } [النساء: 168 - 169] .

2/ وفي سورة الأحزاب {إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا  خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۖ لَّا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا } [الأحزاب: 64 - 65] .

3/ وفي سورة الجن في قوله تعالى: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا } [الجن: 23] . .( التفسير الثمين الشيخ محمد العثيمين 10/ 409)

* قال الشيخ محمد العثيمين رحمه الله.

يجب علينا أن نعتقد شيئين:

الشيء الأول: وجود الجنة والنار الآن وأدلة ذلك من القرآ ن والسنة كثيرة

منها :

ـ قوله تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 133] .

ـ وكذلك قال الله تعالى في النار: {وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} [آل عمران: 131]

الشيء الثاني: اعتقاد أنهما داران أبديتان من دخلهما وهو من أهلهما فإنه يكون فيهما أبداً،

 أما الجنة فمن دخلها لا يخرج منها كما قال تعالى: {وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ} [الحجر: 48] .

 واما النار فإن عصاة المؤمنين يدخلون فيها ما شاء الله أن يبقوا فيها، ثم يكون مآلهم الجنة كما شهدت بذلك الأخبار الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.( التفسير الثمين الشيخ محمد العثيمين 10/ 410)



وقوله تعالى ( لاَّ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلاَ شَرَاباً * إِلاَّ حَمِيماً وَغَسَّاقاً *جَزَآءً وِفَقاً))

أي لا يجدون في جهنم بردا لقلوبهم ولا شرابا طيبا يتغذون به. (تفسير ابن كثير 4/464)

ـ وقوله تعالى (ِإلا حَمِيماً وَغَسَّاقاً )

قال الربيع بن أنس . فأما الحميم : فهو الحار الذي قد انتهى حره وحموه .

والغساق : هو ما اجتمع من صديد أهل النار وعرقهم ودموعهم وجروحهم ، فهو بارد لا يستطاع من برده ، ولا يواجه من نتنه .(تفسير ابن كثير 4/464)

قال المفسرون: إن الغساق هو شراب منتن الرائحة شديد البرودة، فيجمع لهم ـ والعياذ بالله ـ بين الماء الحار الشديد الحرارة، والماء البارد الشديد البرودة

 ليذوقوا العذاب من الناحيتين:

 من ناحية الحرارة، ومن ناحية البرودة، فالآية الكريمة تدل على أنهم لا يذوقون إلا هذا الشراب الذي يقطع أمعاءهم من حرارته، ويفطّر أكبادهم من برودته، نسأل الله العافية. .( التفسير الثمين الشيخ محمد العثيمين 10/411)

ـ وقوله تعالى (جَزَآءً وِفَقاً)

أي هذا الذي صاروا إليه من هذه العقوبة وفق أعمالهم الفاسدة التي كانوا يعملونها في الدنيا. .(تفسير ابن كثير 4/465)

 

وقوله تعالى (إِنَّهُمْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ حِسَاباً * وَكَذَّبُواْ بِايَتِنَا كِذَّاباً)

أي لم يكونوا يعتقدون أن ثم دارا يجازون فيها ويحاسبون. .(تفسير ابن كثير 4/465)

ـ وقوله تعالى (وَكَذَّبُواْ بِايَتِنَا كِذَّاباً)

أي لا يؤملون أن يحاسبوا بل ينكرون الحساب، ينكرون البعث , يرجون حساباً يحاسبون به لأنهم ينكرون ذلك، هذه عقيدة قلوبهم، أما ألسنتهم فيكذبون يقولون هذا كذب، هذا سحر، هذا جنون، وما أشبه ذلك. .( التفسير الثمين الشيخ محمد العثيمين 10/412)

 

وقوله تعالى (وَكُلَّ شَىْءٍ أَحْصَيْنَهُ كِتَباً * فَذُوقُواْ فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَاباً}

يشمل ما يفعله الله عز وجل من الخلق والتدبير في الكون، ويشمل ما يعمله العباد من أقوال وأفعال، ويشمل كل صغير وكبير

ـ وقوله تعالى {أحصيناه}

 أي ضبطناه بالإحصاء الدقيق الذي لا يختلف.

ـ وقوله تعالى {كتاباً}

 يعني كتباً، وقد ثبت في الحديث الصحيح

(أن الله تعالى كتب مقادير كل شيء إلى أن تقوم الساعة) ) أخرجه مسلم، كتاب القدر، باب حجاج آدم وموسى صلى الله عليهما وسلم (2653) .

فكل شيء يكتب حتى الهم يكتب إما لك وإما عليك، من همّ بالسيئة فلم يعملها عاجزاً عنها فإنها تكتب عليه، وإن هم بها وتركها لله فإنها تكتب له

حديث: عَن ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا عَنِ النبي صلى الله عليه وسلم فِيْمَا يَرْوِيْهِ عَنْ رَبِّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالى أَنَّهُ قَالَ: (إِنَّ الله كَتَبَ الحَسَنَاتِ وَالسَّيئَاتِ ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ؛ فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً،وَإِنْ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللهُ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِمائَةِ ضِعْفٍ إِلىَ أَضْعَاف كَثِيْرَةٍ. وَإِنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً،وَإِنْ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً) أخرجه البخاري، كتاب الرقاق، باب من هم بحسنة أو بسيئة (6491) ، ومسلم، كتاب الإيمان، باب إذا هم العبد بحسنة كتبت وإذا هم بسيئة لم تكتب (203) (128) .( التفسير الثمين الشيخ محمد العثيمين 10/ 412)



ـ وقوله تعالى (فَذُوقُواْ فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَاباً)

أي : يقال لأهل النار : ذوقوا ما أنتم فيه ، فلن نزيدكم إلا عذابا من جنسه

قال قتادة : عن أبي أيوب الأزدي ، عن عبد الله بن عمرو قال : لم ينزل على أهل النار آية أشد من هذه :

 ( فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا ) قال : فهم في مزيد من العذاب أبدا . .(تفسير ابن كثير 4/465)

صل الله على نبينا محمد وعلى اله وصحبه أجمعين

الثلاثاء، 11 يونيو 2019


تفسير جزء عم (سورة النبأ)(1)
{بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}
{عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ * عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ * الَّذِى هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ * كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ * أَلَمْ نَجْعَلِ الاَْرْضَ مِهَداً * وَالْجِبَالَ أَوْتَاداً * وَخَلَقْنَكُمْ أَزْوَجاً * وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً * وَجَعَلْنَا الَّيْلَ لِبَاساً * وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشاً * وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً * وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً * وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَآءً ثَجَّاجاً * لِّنُخْرِجَ بِهِ حَبّاً وَنَبَاتاً وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا *)النبأ(1ـ16)

الفوائد على هذه الآيات:
1) النبأ العظيم
في قوله تعالى{عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ * عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ * الَّذِى هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ * كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ *لنبأ(1ـ5)
قال ابن كثير:
وهو النبأ العظيم يعني الخبر الهائل المفظع الباهر قال قتادة وابن زيد النبأ العظيم البعث بعد الموت وقال مجاهد هو القرآن.(تفسير ابن كثير 4/ 462)
قال الشيخ محمد العثيمين :
وهذا النبأ هو ما جاء به النبي صلى الله عليه وآله وسلم من البينات والهدى، ولاسيما ما جاء به من الأخبار عن اليوم الآخر والبعث والجزاء، وقد اختلف الناس في هذا النبأ الذي جاء به النبي صلى الله عليه وآله وسلم:
ـ فمنهم من آمن به وصدق
ـ ومنهم من شك فيه وتردد
ـ ومنهم من كفر به وكذب
فبين الله أن هؤلاء الذين كذبوا سيعلمون ما كذبوا به علم اليقين، وذلك إذا رأوا يوم القيامة يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق، ولهذا قال سبحانه هنا: { كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ }(التفسير الثمين الشيخ محمد العثيمين 10/405ـ406)
 2) نعم الله على عباده.
في قوله تعالى (أَلَمْ نَجْعَلِ الاْرْضَ مِهَداً * وَالْجِبَالَ أَوْتَاداً * وَخَلَقْنَكُمْ أَزْوَجاً * وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً * وَجَعَلْنَا الَّيْلَ لِبَاساً * وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشاً * وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً * وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً * وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَآءً ثَجَّاجاً * لِّنُخْرِجَ بِهِ حَبّاً وَنَبَاتاً *وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا)النبأ (6ـ16)
قوله تعالى (الاْرْضَ مِهَداً ).
أي جعل الله الأرض مهاداً ممهدة للخلق ليست بالصلبة التي لا يستطيعون حرثها، ولا المشي عليها إلا بصعوبة، وليست باللينة الرخوة التي لا ينتفعون بها، ولا يستقرون فيها، ولكنها ممهدة لهم على حسب مصالحهم وعلى حسب ما ينتفعون به. }(التفسير الثمين الشيخ محمد العثيمين 10/ـ406)

2ـ وقوله تعالى (وَالْجِبَالَ أَوْتَاداً ).
أي : جعلها لها أوتادا أرساها بها وثبتها وقررها حتى سكنت ولم تضطرب بمن عليها. .(تفسير ابن كثير 4/ 462
وقوله تعالى (وَخَلَقْنَكُمْ أَزْوَجاً)
أي أصنافاً ما بين ذكر وأنثى، وصغير وكبير، وأسود وأحمر، وشقي وسعيد إلى غير ذلك مما يختلف الناس فيه، فهم أزواج مختلفون على حسب ما أراده الله عز وجل واقتضته حكمته ليعتبر الناس بقدرة الله تعالى، وأنه قادر على أن يجعل هذا البشر الذين خلقوا من مادة واحدة ومن أب واحد على هذه الأصناف المتنوعة المتباينة. }(التفسير الثمين الشيخ محمد العثيمين 10/ـ406)


 4ـ وقوله تعالى (وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً)
أي قاطعاً للتعب، فالنوم يقطع ما سبقه من التعب، ويستجد به الإنسان نشاطاً للمستقبل، ولذلك تجد الرجل إذا تعب ثم نام استراح وتجدد نشاطه، وهذا من النعمة وهو أيضاً من آيات الله. (التفسير الثمين الشيخ محمد العثيمين 10/ـ406)
وقوله تعالى (وَجَعَلْنَا الَّيْلَ لِبَاساً)
أي جعل الله هذا الليل على الأرض بمنزلة اللباس كأن الأرض تلبسه ويكون جلباباً لها، وهذا لا يعرفه تمام المعرفة إلا من صعد فوق ظل الأرض، وقد رأينا ذلك من الايات العجيبة إذا صعدت في الطائرة وارتفعت وقد غابت الشمس عن سطح الأرض ثم تبينت لك الشمس بعد أن ترتفع تجد الأرض وكأنما كسيت بلباس أسود. (التفسير الثمين الشيخ محمد العثيمين 10/406)

وقوله تعالى (وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشاً )
أي جعلناه مشرقا نيرا مضيئا ليتمكن الناس من التصرف فيه والذهاب والمجيء للمعاش والتكسب والتجارات وغير ذلك. (تفسير ابن كثير 4/ 463)
وقوله تعالى (وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً)
وهي السماوات السبع، وصفها الله تعالى بالشداد لأنها قوية. (التفسير الثمين الشيخ محمد العثيمين 10/ـ406 )

وقوله تعالى (وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً)
يعني بذلك الشمس فهي سراج مضيء، وهي أيضاً ذات حرارة عظيمة. ، وحرارتها في أيام الصيف حرارة شديدة مع بعدها الساحق عن الأرض، فما ظنك بما يقرب منها، ثم إنها تكون في أيام الحر في شدة حرها من فيح جهنم،
 * كما قال النبي عليه الصلاة والسلام:
 «إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم» ( أخرجه البخاري، كتاب مواقيت الصلاة، باب الإبراد بالظهر في شدة الحر (536) . ومسلم كتاب المساجد، باب استحباب الإبراد بالظهر في شدة الحر (615).
 *وقال عليه الصلاة والسلام:
 «اشتكت النار إلى الله فقالت: يا رب، أكل بعضي بعضاً، فأذن لها بنفسين، نفس في الشتاء، ونفس في الصيف، فأشد ما تجدون من البرد من زمهرير جهنم، وأشد ما يكون من الحر من فيح جهنم» ( أخرجه البخاري، كتاب بدء الخلق، باب صفة النار وأنها مخلوقة (3620) . ومسلم كتاب المساجد،..باب استحباب الإبراد بالظهر في شدة الحر (617)
* ومع ذلك فإن فيها مصلحة عظيمة للخلق
أ) فهي توفر على الخلق أموالاً عظيمة في وقت النهار حيث يستغني الناس بها عن إيقاد الأنوار
ب) وكذلك الطاقة التي تستخرج منها تكون فيها فوائد كثيرة.
ج) وكذلك إنضاج الثمار وغير هذا من الفوائد العديدة من هذا السراج الذي جعله الله عز وجل لعباده. (التفسير الثمين الشيخ محمد العثيمين 10/407)


9ـ وقوله تعالى (وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَآءً ثَجَّاجاً * لِّنُخْرِجَ بِهِ حَبّاً وَنَبَاتاً)
ـ وقوله تعالى (وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ )
يعني من السحاب، ووصفها الله بأنها معصرات كأنما تعصر هذا المطر عند نزوله عصراً، كما يعصر الثوب، فإن هذا الماء يتخلل هذا السحاب ويخرج منه كما يخرج الماء من الثوب المعصور،
ـ وقوله تعالى {ماء ثجَّاجاً}
 أي كثير لثج يعني الإنهمار والتدفق وذلك لغزارته وقوته حتى يروي الأرض.
ـ وقوله تعالى {لنخرج به}
 أي لنخرج بهذا الماء الذي أنزل من السماء إلى الأرض.
ـ وقوله تعالى {حبًّا ونباتاً}
 فتنبت الأرض ويخرج الله به من الحب بجميع أصنافه وأنواعه البر والشعير والذرة وغيرها. والنبات من الثمار كالتين والعنب وما أشبه ذلك. (التفسير الثمين الشيخ محمد العثيمين 10/407)


10ـ وقوله تعالى (وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا)
أي بساتين ملتفاً بعضها إلى بعض، من كثرتها وحسنها وبهائها حتى إنها لتستر من فيها لكثرتها، والتفاف بعضها إلى بعض، وهي الأشجار التي لها ساق، فيخرج من هذا الماء الثجاج الزروع والنخيل والأعناب وغيرها سواء خرج منه مباشرة أو خرج منه بواسطة استخراج الماء من باطن الأرض. (التفسير الثمين الشيخ محمد العثيمين 10/407)
صل الله على نبينا محمد وعلى اله وصحبه أجمعين