الاثنين، 2 يناير 2017

17 - شرح رياض الصالحين - الحديث الحادي عشر - إن الله كتب الحسنات والسيئات




شرح حديث ((إن الله كتب الحسنات والسيئات)

من رياض الصالحين الشيخ محمد العثيمين رحمه الله

الحمد الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى اله وصحبه أجمعين

عن أبي العباس عبد الله بن عباس بن عبد المطلب- رضي الله عنهما- عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه- تبارك وتعالى- قال : ((إن الله كتب الحسنات والسيئات، ثم بيَّن ذلك فمن همَّ بحسنة فلم يعملها كتبها الله- تبارك وتعالى- عنده حسنة كاملة ، وإن همَّ بها فعملها كتبها الله عشر حسنات، إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة، وإن همَّ بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، وإن همَّ بها فعملها كتبها الله سيئة واحدة)(أخرجه البخاري رقم (6491)كتاب الرقاق .ومسلم رقم (131)كتاب الإيمان)
الشرح
قوله ((إن الله كتب الحسنات والسيئات )) كتابته للحسنات والسيئات

 تشمل معنيين :
المعنى الأول: كتابة ذلك في اللوح المحفوظ،

 فإن الله - تعالى- كتب في اللوح المحفوظ؛ كل شي كما قال الله سبحانه و تعالى :

{ نَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ } [القمر49 ] و قال تعالى {وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَر} [القمر 53]

 فالله - سبحانه وتعالى- كتب السيئات والحسنات في اللوح المحفوظ ،

المعنى الثاني :كتابته إياهما  إذا عملها العبد

 فإن الله - تعالى- يكتبها حسب ما تقتضيه حكمته، وحسب ما يقتضيه عدله وفضله.


فهاتان كتابتان :

 كتابة سابقة: لا يعلمها إلا الله - عز وجل-

 فكل واحد منا لا يعلم ماذا كتب الله له من خير أو شر حتى يقع ذلك الشيء ,

وكتابة لاحقة: إذا عمل الإنسان العمل كُتب له حسب ما تقتضيه الحكمة ، والعدل ، والفضل.

 ((ثم بَيَّن ذلك)) أي: ثم بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم ذلك كيف يكتب، فبين أن الإنسان إذا همَّ بحسنة فلم يعملها كتبها الله - تعالى - حسنة كاملة.
مثاله:

رجل همَّ أن يتوضأ ليقرأ القرآن، ثم لم يفعل ذلك وعدل عنه، فإنه يكتب له بذلك حسنة كاملة.
مثال آخر:

رجل همَّ أن يتصدق، وعيَّن المال الذي يريد أن يتصدق به، ثم أمسك ولم يتصدق ، فيُكتب له بذلك حسنة كاملة. همَّ أن يصلي ركعتين، فأمسك ولم يصلِّ ، فإنه يكتب له بذلك حسنة كاملة.


فإن قال قائل: كيف يكتب له حسنة وهو لم يفعلها ؟

فالجواب على ذلك:

أن يقال إن فضل الله واسع، هذا الهمُّ الذي حدث منه يعتبر حسنةً؛ لأن القلب همّام؛ إما بخير أو بشر، فإذا همَّ بالخير فهذه حسنة تكتب له، فإنْ عملها كتبها الله عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة .
وهذا التفاوت مبني على الإخلاص والمتابعة؛ فكلما كان الإنسان في عبادته أخلص لله كان أجره أكثر، وكلما كان الإنسان في عبادته أتبع للرسول صلى الله عليه وسلم كانت عبادته أكمل، وثوابه أكثر.


أما السيئة فقال ((وإن همَّ بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة))

كرجل همَّ أن يسرق ، ولكن ذكر الله- عز وجل- فأدركه خوف الله فترك السرقة، فإنه يكتب له بذلك حسنة كاملة؛ لأنه ترك فعل المعصية لله فأثيب على ذلك كما جاء ذلك مفسراً في لفظ آخر ((إنما تَرَكَها مِن جَرَّاي)) أي من أجلي .

فإن عمل السيئة كتبت سيئة واحدة فقط لا تزيد لقوله – تعالى :

{ ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلا مِثْلَهَا وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ} [الأنعام 160]
وهذا الحديث فيه:

 دليل على اعتبار النية؛ وأن النية قد تُوصل صاحبها إلى الخير.
وسبق لنا أن الإنسان إذا نوى الشر، وعمل العمل الذي يوصل إلى الشر، ولكنه عجز عنه؛ فإنه يكتب عليه إثم الفاعل؛ كما سبق فيمن التقيا بسيفيهما من المسلمين : ((إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار)) قلت: يا رسول الله، هذا القاتل فما بال المقتول ؟ قال : ((إنه كان حريصاً على قتل صاحبه ))
.شرح رياض الصالحين الشيخ محمد العثيمين رحمه الله 1/64ـ65ـ66)

 

صل الله على نبينا محمد وعلى اله وصحبه أجمعين





 

الاثنين، 26 ديسمبر 2016


( محاسبة النفس)

الحمد الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى اله وصحبه أجمعين

محاسبة النفس المؤمنة سمة للمؤمن الصالح

لا توبة دون محاسبة , يتوب العبد بعد أن يحاسب نفسه ,ويحاسب نفسه لينجو من حساب الآخرة. فإن الشهود كثير ,ولا يملك العبد في الاحتيال

 قال تعالى:

وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا ۖ قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)فصلت: (21)

قال تعالى :

(وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى) سورة النازعات :41)

  • المرء إلى جهاده نفسه أحوج منه إلى جهاده للكفار فإن هذا فرض كفاية , وجهاد النفس فرض عين

حديث :( الْمُجَاهِدُ مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ للَّهِ عَزَّ وَجَلَّ .) رواه الترمذي وقال حسن صحيح.

      إن محاسبة النفس ميدان جهاد لا يحتاج إلى جيوش , ولكن يحتاج     إلى جيش الهمة والعزيمة

فهل خلوت بنفسك يوماَ فحاسبتها عما بدر منها من الاقوال والافعال ؟!

قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:

(حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا ، وَزِنُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُوزَنُوا ، فَإِنَّهُ أَهْوَنُ عَلَيْكُمْ فِي الْحِسَابِ غَدًا ، أَنْ تُحَاسِبُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ)


 

 

  • السلف الصالح ومحاسبتهم لإنفسهم :
    ـ فهذا الصديق رضي الله عنه .
    كان يمسك بلسانه ويقول : هذا الذي أوردني الموارد!!
    وكان يبكي كثيراً ويقول :
    ابكوا , فإن لم تبكوا فتباكوا , وقال : والله لو ددت أني كنت هذه الشجرة تؤكل وتعضد .)
    ـ وهذا على بن أبي طالب رضي الله عنه
    كان كثير البكاء والخوف , والمحاسبة لنفسه , وكان يشتد خوفه من اثنتين :طول الأمل واتباع الهوى
    قال: فأما طول الأمل فينسي الآخرة , وأما اتباع الهوى فيصد عن الحق .
    ـ عن خالد بن معدان رضي الله عنه قال:
    ما من عبد إلا وله عينان في وجهه يبصر بهما أمر الدنيا , وعينان في قلبه يبصر بهما أمر الآخرة, فإذا أراد الله بعبد خيراً, فتح عينيه اللتين في قلبه , فأبصر بهما ما وعد الله بالغيب ,وإذا أراد به غير ذلك ,تركه على ما فيه ثم قرأ
    " أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا " محمد(24)
     
     
     
  • أقوال في محاسبة النفس:
    1/ قال الحسن البصري:
    إن العبد لا يزال بخير ما كان له واعظ من نفسه ,وكانت المحاسبة همته.
    2/ قال مالك بن دينار:
    رحم الله عبداً قال لنفسه : ألست صاحبة كذا ؟!
    ألست صاحبة كذا ؟
    ثم ذمها ,ثم خطمها ,ثم ألزمها كتاب الله عز وجل فكان لها قائداً)
    فنفسك إلا لم تقودها إلى الطاعات قادتك إلى المعاصي
     
     
     
  • أقسام محاسبة النفس:
    محاسبة النفس نوعان:
    1/ نوع قبل العمل
    2/ نوع بعد العمل.
     
    1/ محاسبة النفس قبل العمل.
    فهو أن يقف قبل العمل يرى ان كان فيه رضى لله ورسوله مضى , وإن كان لغير الله ورسوله تأخر.
    قال الحسن :
    رحم الله عبداً وقف عند همه , فإن كان لله مضى , وإن كان لغيره تأخر .
     
    2/ محاسبة النفس بعد العمل.
    محاسبة النفس على طاعة قصرت فيها من حق الله تعالى فلم تؤديها على الوجه الذي ينبغي
    وحق الله في الطاعة على أمور وهي:
    1/ الاخلاص
    2/ متابعة لرسول عليه السلام
    3/ النصيحة لله فيه
    4/ شهود منه الله وإحسان بعد
    5/ شهود تقصيره فيه
    مثال:
    صيام التطوع:
    هل اديت حق الله فيها ام لا؟
    هل هذا الصيام كان خالصاً لوجه الله؟
    هل هذا اليوم الذي صمته متابعاً لسنة لرسول عليه السلام.
    هل هذا بلغت ونصحت لله في هذا العمل , وانصح وارشد لمن حولي بصيام.
     
    ايضا شهود منه الله وإحسانه
    أي:
    نعمه الله ان الله هدانى إلى الطاعة
    الله سبحانه وتعالى يعطي الدنيا لمن يحب ولمن لا يحب ولا يعطي الدين إلا لمن أحب
    " من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين "حديث الصحيح (حم ,ق) عن معاوية / الصحيحة 1195)
    ويهب الله نور الهداية لمن يشاء من عباده
    (نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ ۗ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ ۚ) النور (35)
     
    ايضا شهود تقصيري , أنني مهما بلغت ومهما عملت فانا مقصره في حق الله تعالى واسال الله أن يتقبل هذا العمل.


  •  
  • الأسباب المعينة على محاسبة النفس:
    هناك اسباب تعين الانسان على محاسبة نفسه
    منها:
    1/ معرفته أنه كلما اجتهد في محاسبة نفسه اليوم استراح من ذلك غداً . وكلما أهملها اليوم أشتد عليه الحساب غداّ.
    إذا لم تحاسبي نفسك في الدنيا , نفسك التي بين جنبيك هي التي تحاسبك يوم القيامة
     (اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا)(سورةالاسراء:14)
     
    2/ معرفته أن ربح محاسبة النفس ومراقبتها هو سكنى الفردوس والنظر إلى الرب سبحانه ,ومجاورة الانبياء والصالحين.
     
    3/ صحبة الأخيار الذين يحاسبون أنفسهم ويطلعونه على عيوب نفسه ,وترك صحبة من عداهم .
     
    4/ التآمل في أحوال الموتى الذين يستطيعون محاسبة أنفسهم أو تدارك ما فاتهم.
    (رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ ) المؤمنون:100
     
    5/ حضور مجالس العلم والوعظ والتذكير فإنها تدعوا إلى محاسبة النفس.
    6/ قيام الليل وقراءة القرآن والتقرب إلى الله بأنواع الطاعات.
     
    7/ البعد عن أماكن اللهو والغفلة فإنها تنسي الإنسان محاسبة نفسه.
     
    8/ ذكر الله تعالى ودعاؤه بأن يجعله من أهل المحاسبة والمراقبة.


  • كيفية محاسبة النفس:
    ذكر الامام ابن القيم رحمه الله أن محاسبة النفس تكون كالتالي:
    1/ البدء الفرائض فإذا راى فيها نقصاّ تداركه
    2/ ثم المناهي ,فإذا عرف أنه ارتكب منها شيئا تداركه بالتوبة والاستغفار والحسنات الماحية
    3/ محاسبة النفس على الغفلة ويتدارك ذلك بالذكر والإقبال على الله
    4/ محاسبة النفس على الحركات الجوارح .
     

  • إن النفس ثلاثة:
    نفس امارة بالسوء.
    نفس لومة.
    3ـ نفس مطمئنة.
    وأشر النفوس هي النفس الأمارة بالسوء , الداعية صاحبها إلى الإنحراف والهلاك.
    فالإنسان الضال الغافل حينما تدركه رحمة الله ينازع نفسه مع طول عناء وشقاء ويقاومها لينقلها من منبت سوء إلى منبت الخير والرفعة فإذا هي تنتقل من نفس امارة بالسوء إلى إنها نفس لوامة
    يلوم نفسه ويحاسبها على تقصيرها ويلزمها بالتقوى حتى تبلغ القمة والعلو فإذا هي نفس مطمئنة لا تزلزلها الاهواء ولا الشدائد الثقال.
  • كل واحد منا يسأل نفسه
    أين نفسي من هذه الأنفس الثلاث؟
    وفي أي طريق تسير؟
    هل نفسي تعلو إلى علو الهمة أم أنها تدني إلى سفاسف الأمور وإتباع الشهوات .

  •  

  • فوائد محاسبة النفس:
    محاسبة النفس لها فوائد منها:
    1/ الاطلاع على عيوب النفس ,ومن لم يطلع على عيب نفسه لم يمكنه إزالته.
    فمحاسبة النفس تعطيك الاطلاع على عيوب نفسك
    مثلاً:
    إنا مقصر في الاذكار, في حفظ القرآن , من السهل أقع في الغيبة في الكذب, ربما أتساهل في الحجاب ووو....وهكذا.
    فإذا حاسبت نفسك عرفت عيوبها وبالتالي يمكن وتستطع إزالتها.
    2/ التوبة والندم وتدارك ما فات.
    3/ انكسار العبد بين يدي الله تعالى .
    4/ الاجتهاد في الطاعة وترك العصيان.
    5/ التخلص من العجب ورؤية العمل.
    6/ رد الحقوق إلى أهلها وحسن الخلق .
     
     
    كم عمل صالح تركناه؟
    كم من المعرف تكاسلنا عنه ؟
     كم من المنكر فعلناه وربما جهرنا به؟
    عن أبي هريرة رضي الله عنه:
     ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ قَالُوا : الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لا دِرْهَمَ لَهُ وَلا مَتَاعَ ، فَقَالَ : إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا وَقَذَفَ هَذَا وَأَكَلَ مَالَ هَذَا وَسَفَكَ دَمَ هَذَا وَضَرَبَ هَذَا فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ ) رواه مسلم
     
    وفي الختام:
    على كل مؤمن ومؤمنة بالله  أن لا يغفلون عن محاسبة أنفسهم ,فإضاعة هذه النفس إنما عي خسارة وهلاك لصاحبها ولا يظهر حقيقة هذا الخسران إلا في يوم التغابن
    قال تعالى :
    (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا)آل عمران :30
     
    وآخر دعوانا ان الحمد الله والصلاة والسلام على رسولنا محمد وعلى اله وصحبه أجمعين