الأربعاء، 7 أغسطس 2019


(تفسير جزء عم (سورة التكاثر)

بسم الله الرحمن الرحيم

(أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّىٰ زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ * كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ * ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ)

 سورة التكاثر (1ـ8)


* الفوائد على هذه الآيات.

1)الانشغال بالدنيا وترك الاخرة

في قوله تعالى (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّىٰ زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ * كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ *

كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ)التكاثر(1ـ 5)

شغلكم حب الدنيا ونعيمها وزهرتها عن طلب الآخرة وابتغائها ، وتمادى بكم ذلك حتى جاءكم الموت وزرتم المقابر ، وصرتم من أهلها ؟!(تفسير ابن كثير 547/4)

ـ قوله تعالى{ أَلْهَاكُمُ } أي شغلكم حتى لهوتم عن ما هو أهم من ذكر الله تعالى والقيام بطاعته

والخطاب هنا لجميع الأمة إلا أنه يخصص بمن شغلتهم أمور الآخرة عن أمور الدنيا وهم قليل

لأنه ثبت في الصحيحين أن الله تبارك وتعالى يقول يوم القيامة:

{يا آدم، فيقول: لبيك وسعديك والخير في يديك، فيقول: أخرج من ذريتك بعثاً إلى النار، قال: وما بعث النار؟ قال: من كل ألفٍ تسع مئةوتسعة وتسعين» (أخرجه البخاري كتاب الرقاق  (6530) ومسلم كتاب الإيمان باب قوله: يقزل لآدم اخرج بعث النار (222) (379)

واحد في الجنة والباقي في النار، وهذا عدد هائل!

إذا لم يكن من بني آدم إلا واحداً من الألف من أهل الجنة والباقون من أهل النار.(التفسير الثمين الشيخ محمد العثيمين 591/10)

ـ قوله تعالى { التَّكَاثُرُ } يشمل التكاثر بالمال، والتكاثر بالقبيلة، والتكاثر بالجاه، ، وبكل ما يمكن أن يقع فيه التفاخر، ويدل لذلك قول صاحب الجنة لصاحبه:{ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالا وَأَعَزُّ نَفَرًا } [الكهف: 34]

فيتكاثرون في هذه الأمور عما خلقوا له من عبادة الله عز وجل. .(التفسير الثمين الشيخ محمد العثيمين 591ـ 592/10)

ـ قوله تعالى { حَتَّىٰ زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ} يعني إلى أن زرتم المقابر، يعني إلى أن مُتم، فالإنسان مجبول على التكاثر إلى أن يموت، بل كلما ازداد به الكِبر ازداد به الأمل، فهو يشيب في السن ويشب في الأمل، حتى إن الرجل له تسعون سنة مثلاً تجد عنده من الآمال وطول الأمل ما ليس عند الشاب الذي له خمس عشرة سنة.

هذا هو معنى الآية الكريمة. أي: أنكم تلهوتم بالتكاثر عن الآخرة إلى أن متم.

ـ قوله تعالى { حَتَّىٰ زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ} استدل به عمر بن عبد العزيز ـ رحمه الله ـ

على أن الزائر لابد أن يرجع إلى وطنه، وأن القبور ليست بدار إقامة

وكذلك يذكر عن بعض الأعراب أنه سمع قارىء يقرأ: { أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّىٰ زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ}

فقال: «والله ما الزائر بمقيم والله لنبعثن» ، لأن الزائر كما هو معروف يزور ويرجع، فقال: والله لنبعثن. وهذا هو الحق.

ـ قوله تعالى { كَلَّا } بمعنى الردع يعني: ارتدعوا عن هذا التكاثر، وقيل: إنها بمعنى حقًّا

 ـ قوله تعالى { سَوْفَ تَعْلَمُونَ } أي: سوف تعلمون عاقبة أمركم إذا رجعتم إلى الآخرة، وأن هذا التكاثر لا ينفعكم.

قد جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيما رواه مسلم

«يقول ابن آدم: مالي ومالي ـ يعني: يفتخر به ـ وليس لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت» (أخرجه مسلم كتاب الزهد باب الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر (2958) (3) .(التفسير الثمين الشيخ محمد العثيمين593/10)

وقوله تعالى " كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ " أي لو علمتم حق العلم لما ألهاكم التكاثر عن طلب الدار الآخرة حتى صرتم إلى المقابر. (تفسير ابن كثير548/4)



2) رؤية النار يوم القيامة.

في قوله تعالى (لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ)(التكاثر(6ـ 7)

ـ قوله تعالى { لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ} جملة مستأنفة لا صلة لها بما قبلها، وهي جملة قسمية، فيها قسم مقدر والتقدير: والله لترون الجحيم

ـ قوله تعالى { الْجَحِيمَ} اسم من أسماء النار

ـ قوله تعالى { ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ } تأكيد لرؤيتها، ومتى ترى؟ تُرى يوم القيامة، يؤتى بها تُجر بسبعين ألف زمام، كل زمام يجره سبعون ألف ملك، فما ظنك بهذه النار ـ والعياذ بالله ـ

إنها نار كبيرة عظيمة لأن فيها سبعين ألف زمام، كل زمام يجره سبعون ألف ملك، والملائكة عظام شداد فهي نار عظيمة. .(التفسير الثمين الشيخ محمد العثيمين 593/10)

 


3) السؤال عن النعيم في يوم القيامة.

في قوله تعالى (ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ )(التكاثر(8)

ـ قوله تعالى { ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ } يعني: ثم في ذلك الوقت في ذلك الموقف العظيم تسألن عن النعيم،

واختلف العلماء رحمهم الله في قوله: { ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ } هل المراد الكافر، أو المراد المؤمن والكافر؟

الصواب: أن المراد المؤمن والكافر كل يسأل عن النعيم، لكن الكافر يسأل سؤال توبيخ وتقريع، والمؤمن يسأل سؤال تذكير

حديث: «هذا والذي نفسي بيده من النعيم الذي تسألون عنه يوم القيامة، ظل بارد، ورطب طيب، وماء بارد» أخرجه الترمذي كتاب الزهد باب ما جاء في معيشة النبي صلى الله عليه وسلم (2369) وقال حديث حسن صحيح غريب.

وهذا دليل على أن الذي يُسأل المؤمن والكافر.

ولكن يختلف السؤال،:

سؤال المؤمن سؤال تذكير بنعمة الله عز وجل عليه حتى يفرح، ويعلم أن الذي أنعم عليه في الدنيا ينعم عليه في الاخرة، بمعنى أنه إذا تكرم بنعمته عليه في الدنيا تكرم عليه بنعمته في الآخرة،

أما الكافر فإنه سؤال توبيخ وتنديم.

. نسأل الله تعالى أن يستعملنا في طاعته، وأن يجعل ما رزقنا عونًا على طاعته، إنه على كل شيء قدير. .(التفسير الثمين الشيخ محمد العثيمين 593ـ 594/10)

تم بحمد الله تفسير سورة التكاثر

صل الله على نبينا محمد وعلى اله وصحبه أجمعين

الثلاثاء، 6 أغسطس 2019


(تفسير جزء عم (سورة القارعة)
بسم الله الرحمن الرحيم
(الْقَارِعَةُ* مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ * يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ * فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ * وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ) سورة  القارعة (1ـ11)
* الفوائد على هذه الآيات.
1)ما يحدث في يوم القيامة
في قوله تعالى (الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ * يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ)القارعة(1ـ 5)
ـ قوله تعالى { الْقَارِعَةُ} اسم فاعل من قرع، والمراد: التي تقرع القلوب وتفزعها وذلك عند النفخ في الصور
فهي تقرع القلوب بعد قرع الأسماع، وهذه القارعة هي قارعة عظيمة لا نظير لها قبل ذلك، وهي من أسماء يوم القيامة.
 ـ قوله تعالى { مَا الْقَارِعَةُ } {ما} هنا استفهام بمعنى التعظيم والتفخيم يعني: ما هي القارعة التي ينوه عنها؟
 ـ قوله تعالى { وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ} هذا زيادة في التفخيم والتعظيم والتهويل، يعني أي شيء أعلمك عن هذه القارعة؟ أي ما أعظمها وما أشدها.
ـ قوله تعالى { يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ) ثم بين متى تكون؟  أي: أنها تكون في ذلك الوقت، يوم يكون الناس كالفراش المبثوث حين يخرجون من قبورهم.
 قال العلماء:
 يكونون كالفراش المبثوث، والفراش هو هذه الطيور الصغيرة التي تتزاحم عند وجود النار في الليل وهي ضعيفة وتكاد تمشي بدون هدى، وتتراكم وربما لطيشها تقع في النار وهي لا تدري، فهم يشبهون الفراش في ضعفه وحيرته وتراكمه وسيره إلى غير هدى. (التفسير الثمين الشيخ محمد العثيمين 588ـ589/10)
ـ قوله تعالى (الْمَبْثُوثِ } يعني المنتشر.
لو تصورت هذا المشهد يخرج الناس من قبورهم على هذا الوجه لتصورت أمراً عظيماً لا نظير له
 هؤلاء العالم من آدم إلى أن تقوم الساعة كلهم يخرجون خروج رجل واحد في آن واحد من هذه القبور المبعثرة في مشارق الأرض ومغاربها، كلهم سيخرجون مرة واحدة، يصولون ويجولون في هذه الأرض.
ـ قوله تعالى { كَالْعِهْنِ } الصوف. وقيل: القطن.
ـ قوله تعالى { الْمَنفُوشِ} المبعثر أي: أن هذه الجبال بعد أن كانت صلبة قوية راسخة تكون مثل العهن الصوف، أو القطن المبعثر ـ سواء نفشته بيدك أو بالمنداف فإنه يكون خفيفاً يتطاير مع أدنى ريح.(التفسير الثمين الشيخ محمد العثيمين 589/10)
 
 
2) أقسام الناس في الميزان.
في قوله تعالى (فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ * وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ)القارعة (6ـ 11)
قسم الله تعالى الناس إلى قسمين:
القسم الأول: من ثقلت موازينه وهو الذي رجحت حسناته على سيئاته.
القسم الثاني: من خفت موازينه وهو الذي رجحت سيئاته على حسناته، أو الذي ليس له حسنة أصلاً كالكافر.
ـ قوله تعالى { فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ } العيشة مأخوذة من العيش وهو الحياة، يقال: عاش الرجل زمناً طويلاً.
ـ قوله تعالى { رَّاضِيَةٍ} المعنى: أنها عيشة طيبة ليس فيها نكد، وليس فيها صخب، وليس فيها نصب، كاملة من كل وجه، وهذا يعني العيش في الجنة جعلنا الله منهم. هذا العيش لا يمسهم فيها نصب وما هم منها بمخرجين، لا يحزنون، ولا يخافون، في أنعم عيش، وأطيب بال، وأسر حال فهي عيشة راضية.(التفسير الثمين الشيخ محمد العثيمين 589/10)
ـ قوله تعالى { وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ } إما أنه الكافر الذي ليس له أي حسنة، لأن حسنات الكافر يجازى بها في الدنيا ولا تنفعه في الآخرة، أو أنه مسلم ولكنه مسرف على نفسه وسيئاته أكثر.
ـ قوله تعالى { فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ } أم هنا بمعنى مقصوده، أي: الذي يقصده الهاوية، والهاوية من أسماء النار، يعني أنه مآله إلى نار جهنم
 وقيل: إن المراد بالأم هنا: أم الدماغ
والمعنى: أنه يلقى في النار على أم رأسه. نسأل الله السلامة.
 وإذا كانت الآية تحتمل معنيين لا يترجح أحدهما على الآخر ولا يتنافيان فإنه يؤخذ بالمعنيين جميعاً
 فيقال: يرمى في النار على أم رأسه، وأيضاً ليس له مأوى ولا مقصد إلا النار.
ـ قوله تعالى { وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ } هذا من باب التفخيم والتعظيم لهذه الهاوية، يسأل ما هي؟ أتدري ما هي؟ إنها لشيء عظيم، إنها نار حامية في غاية ما يكون من الحمو
وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إنها فضلت على نار الدنيا بتسعة وستين جزءاً» .أخرجه مسلم كتاب الجنة، باب جهنم (2843) (43) (التفسير الثمين الشيخ محمد العثيمين 590/10).
تم بحمد الله تفسير سورة القارعة
صل الله على نبينا محمد وعلى اله وصحبه أجمعين


الله أكبر  الله أكبر الله أكبر

لا إله إلا الله

الله أكبر   الله أكبر ولله الحمد

الاثنين، 5 أغسطس 2019


تفسير جزء عم (سورة العاديات)
بسم الله الرحمن الرحيم
{وَالْعَدِيَتِ ضَبْحاً * فَالمُورِيَتِ قَدْحاً * فَالْمُغِيرَتِ صُبْحاً * فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً * فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً * إِنَّ الإِنسَنَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ * وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ * وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ * أَفَلاَ يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِى الْقُبُورِ * وَحُصِّلَ مَا فِى الصُّدُورِ * إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ} العاديات(1ـ 11)
الفوائد على هذه الآيات :
1) أقسم الله على الخيل.
في قوله تعالى {وَالْعَدِيَتِ ضَبْحاً * فَالمُورِيَتِ قَدْحاً * فَالْمُغِيرَتِ صُبْحاً * فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً * فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً) العاديات(1ـ 5)
ـ قوله تعالى { وَالْعَدِيَتِ ضَبْحاً } هذا قسم، والعاديات صفة لموصوف محذوف فما هو هذا الموصوف؟
س:هل المراد الخيل يعني (والخيل العاديات) أو المراد الإبل يعني (والإبل العاديات) ؟
في هذا قولان للمفسرين:
* فمنهم من قال:
إن الموصوف هي الإبل، والتقدير (والإبل العاديات) ويعني بها الإبل التي تعدوا من عرفة إلى مزدلفة، ثم إلى منى، وذلك في مناسك الحج، واستدلوا لهذا بأن هذه السورة مكية، وأنه ليس في مكة جهاد على الخيل حتى يقسم بها.
* أما القول الثاني لجمهور المفسرين وهو الصحيح:
 فإن الموصوف هو الخيل والتقدير (والخيل العاديات) والخيل العاديات معلومة للعرب حتى قبل مشروعية الجهاد، هناك خيل تعدو على أعدائها سواء بحق أو بغير حق فيما قبل الإسلام، أما بعد الإسلام فالخيل تعدوا على أعدائها بحق.
ـ قوله تعالى{وَالْعَدِيَتِ} والعادي اسم فاعل من العدو وهو سرعة المشي والانطلاق،
ـ قوله تعالى { ضَبْحاً} الضبح ما يسمع من أجواف الخيل حين تعدوا بسرعة، يكون لها صوت يخرج من صدورها، وهذا يدل على قوة سعيها وشدته.(التفسير الثمين الشيخ محمد العثيمين 585م10)
ـ قوله تعالى { فَالمُورِيَتِ قَدْحاً } الموريات من أورى أو وري بمعنى قدح، هذه الخيل لقوة سعيها وشدته، وضربها الأرض، إذا ضربت الحجر ضرب الحجر الحجر الثاني ثم يقدح ناراً، وذلك لقوتها وقوة سعيها وضربها الأرض.
ـ قوله تعالى { فَالْمُغِيرَتِ صُبْحاً } أي التي تغير على عدوها في الصباح، وهذا أحسن ما يكون في الإغارة على العدو أن يكون في الصباح لأنه في غفلة ونوم، وحتى لو استيقظ من الغارة فسوف يكون على كسل وعلى إعياء، فاختار الله عز وجل للقسم بهذه الخيول أحسن وقت للإغارة وهو الصباح،
ـ قوله تعالى { فَأَثَرْنَ بِه } أي أثرن بهذا العدو، وهذه الإغارة
ـ قوله تعالى { نَقْعاً } وهو الغبار الذي يثور من شدة السعي، فإن الخيل إذا سعت إذا اشتد عدوها في الأرض وصار لها غبار من الكر والفر.
ـ قوله تعالى { فَوَسَطْنَ بِهِ } أي توسطن بهذا الغبار
ـ قوله تعالى { جَمْعاً } أي جموعاً من الأعداء أي أنها ليس لها غاية، ولا تنتهي غايتها إلا وسط الأعداء، وهذه غاية ما يكون من منافع الخيل، مع أن الخيل كلها خير.
كما قال النبي صلى الله عليه وسلّم: «الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة» (أخرجه البخاري كتاب الجهاد باب ما الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة (2850) . ومسلم كتاب الأمارة باب فضيلة الخيل وأن الخير معقود بنواصيها..
 أقسم الله تعالى بهذه العاديات ـ بهذه الخيل التي بلغت الغاية ـ وهو الإغارة على العدو وتوسط العدو، من غير خوف ولا تعب ولا ملل..(التفسير الثمين الشيخ محمد العثيمين 586/10)


2) بيان صفات الإنسان .
في قوله تعالى (إِنَّ الإِنسَنَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ * وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ * وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ)العاديات(6ـ 8)
أما المقسم عليه فهو الإنسان
 ـ قوله تعالى { إِنَّ الإِنسَنَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ } والمراد بالإنسان هنا الجنس، أي أن جنس الإنسان.
ـ قوله تعالى{ لَكَنُودٌ } أي كفور لنعمة الله عز وجل.
والكنود هو الكفر، أي كافر لنعمة الله عز وجل، يرزقه الله عز وجل فيزداد بهذا الرزق عتواً ونفوراً، فإن من الناس من يطغى إذا رآه قد استغنى عن الله، وما أكثر ما أفسد الغنى من بني آدم فهو كفور بنعمة الله عز وجل، يجحد نعمة الله، ولا يقوم بشكرها، ولا يقوم بطاعة الله لأنه كنود لنعمة الله.(التفسير الثمين الشيخ محمد العثيمين 586/10)
ـ قوله تعالى { وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ } أي أن الله تعالى يشهد على العبد بأنه كفور لنعمة الله.
ـ قوله تعالى { وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ } الخير هو المال
ما من إنسان إلا ويحب المال، لكن الشدة ليست لكل أحد، بعض الناس يحب المال الذي تقوم به الكفاية، ويستغني به عن عباد الله، وبعض الناس يريد أكثر، وبعض الناس يريد أوسع وأوسع. فالمهم أن كل إنسان فإنه محب للخير أي للمال، لكن الشدة تختلف، ويختلف فيها الناس من شخص لآخر.(التفسير الثمين الشيخ محمد العثيمين 587/10)

 
3) حال الإنسان بعد الموت..
في قوله تعالى (أَفَلاَ يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِى الْقُبُورِ * وَحُصِّلَ مَا فِى الصُّدُورِ * إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ} العاديات(9ـ 11)
ـ قوله تعالى { أَفَلاَ يَعْلَمُ } أي يتيقن.
ـ قوله تعالى { إِذَا بُعْثِرَ مَا فِى الْقُبُورِ } أي: نشر وأظهر فإن الناس يخرجون من قبورهم لرب العالمين، كأنهم جراد منتشر، يخرجون جميعاً بصيحة واحدة
ـ قوله تعالى { وَحُصِّلَ مَا فِى الصُّدُورِ } أي ما في القلوب من النيات، وأعمال القلب كالتوكل، والرغبة، والرهبة، والخوف، والرجاء وما أشبه ذلك.
في الدنيا يعامل الناس معاملة الظاهر، حتى المنافق يعامل كما يعامل المسلم حقًّا، لكن في الآخرة العمل على ما في القلب، ولهذا يجب علينا أن نعتني بقلوبنا قبل كل شيء قبل الأعمال؛ لأن القلب هو الذي عليه المدار، وهو الذي سيكون الجزاء عليه يوم القيامة
ـ قوله تعالى { إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ } أي إن الله عز وجل بهم: أي: بالعباد لخبير
لأنه يوم الجزاء، والحساب، وإلا فإن الله تعالى عليم خبير في ذلك اليوم وفيما قبله، فهو جل وعلا عالم بما كان، وما يكون .(التفسير الثمين الشيخ محمد العثيمين 587/10)
تم بحمد الله تفسير سورة العاديات
صل الله على نبينا محمد وعلى اله وصحبه أجمعين



(تفسير جزء عم (سورة الزلزلة)

بسم الله الرحمن الرحيم

(إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الْإِنسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا * يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِّيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ * فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) سورة  الزلزلة (1ـ 8)



* الفوائد على هذه الآيات.

1) مايحدث في يوم القيامة.

 في قوله تعالى (إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الْإِنسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا ) الزلزلة(1ـ 5)

ـ قوله تعالى{ زِلْزَالَهَا} يعني الزلزال العظيم الذي لم يكن مثله قط

ـ قوله تعالى { وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا} المراد بهم: أصحاب القبور، فإنه إذا نفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله، ثم نفخ فيه أخرى، فإذا هم قيام ينظرون، يخرجون من قبورهم لرب العالمين عز وجل.(التفسير الثمين الشيخ محمد العثيمين 580/10)

ـ قوله تعالى { وَقَالَ الْإِنسَانُ مَا لَهَا} أي : استنكر أمرها بعد ما كانت قارة ساكنة ثابتة.

  قد جاءها من أمر الله ما قد أعد لها من الزلزال الذي لا محيد لها عنه ، ثم ألقت ما في بطنها من الأموات من الأولين والآخرين ، وحينئذ استنكر الناس أمرها. (تفسير ابن كثير542/4)

ـ قوله تعالى { يَوْمَئِذٍ} أي في ذلك اليوم إذا زلزلت .

ـ قوله تعالى { تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا} أي تخبر عما فعل الناس عليها من خير أو شر، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم : أن المؤذن إذا أذن فإنه لا يسمع صوته شجر، ولا مدر، ولا حجر، ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة (أخرجه البخاري، كتاب الآذان، باب رفع الصوت بالنداء (609)

فتشهد الأرض بما صنع عليها من خير أو شر، وهذه الشهادة من أجل بيان عدل الله عز وجل، وأنه سبحانه وتعالى لا يؤاخذ الناس إلا بما عملوه؛ لأن المجرمين ينكرون أن يكونوا مشركين لأنهم إذا رأوا أهل التوحيد قد خلصوا من العذاب ونجوا منه أنكروا الشرك لعلهم ينجون، ولكنهم يختم على أفواههم، وتكلم الأيدي، وتشهد الأرجل والجلود والألسن كلها تشهد على الإنسان بما عمل، وحينئذ لا يستطيع أن يبقى على إنكاره بل يقر ويعترف، إلا أنه لا ينفع الندم في ذلك الوقت. (التفسير الثمين الشيخ محمد العثيمين 581/10)

ـ قوله تعالى { بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا} أي بسبب أن الله أوحى لها، يعني أذن لها في أن تحدث أخبارها، وهو سبحانه وتعالى على كل شيء قدير إذا أمر شيئاً بأمر فإنه لابد أن يقع .

حديث القدسي :وقال الله تعالى للقلم: اكتب، قال: ربِّ وماذا أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة. (أخرجه أبو داؤود كتاب السنة باب في القدر (4700) والترمذي ابواب القدر باب إعظام أمر الإيمان بالقدر (2155) وقال حديث غريب. (التفسير الثمين


الشيخ محمد العثيمين 581/10)

 

2) الجزاء من جنس العمل.

في قوله تعالى (يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِّيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ * فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ *  وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا) الزلزلة(6ـ 7)

ـ قوله تعالى { يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا} أي : يرجعون عن مواقف الحساب

ـ قوله تعالى (أَشْتَاتًا) أي : أنواعا وأصنافا ، ما بين شقي وسعيد ، مأمور به إلى الجنة  ومأمور به إلى النار (تفسير ابن كثير542/4)

ـ قوله تعالى (لِّيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ) أي : ليعملوا ويجازوا بما عملوه في الدنيا ، من خير وشر .

وذلك بالحساب وبالكتاب، فيعطى الإنسان كتابه إما بيمينه، وإما بشماله، ثم يحاسب على ضوء ما في هذا الكتاب، يحاسبه الله عز وجل ,ولهذا يجب على الإنسان أن لا يقدم على شيء لا يرضي الله عز وجل؛ لأنه يعلم أنه مكتوب عليه، وأنه سوف يحاسب عليه.( التفسير الثمين الشيخ محمد العثيمين 582/10)

ـ قوله تعالى { فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا}{من} شرطية تفيد العموم، يعني: أي إنسان يعمل مثقال ذرة فإنه سيراه، سواء من الخير، أو من الشر.

ـ قوله تعالى { مِثْقَالَ ذَرَّةٍ } يفيد أن الذي يوزن هو الأعمال

* وهذه المسألة اختلف فيها أهل العلم:

* فمن العلماء من قال: إن الذي يوزن العمل.

* ومنهم من قال: إن الذي يوزن صحائف الأعمال.

* ومنهم من قال: إن الذي يوزن هو العامل نفسه.

ولكل دليل، أما من قال: إن الذي يوزن هو العمل فاستدل بهذه الآية

ـ قوله تعالى{ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} لأن تقدير الآية فمن يعمل عملاً مثقال ذرة.

واستدلوا أيضاً بقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم» (أخرجه البخاري كتاب الدعوات، باب فضل التسبيح (6406) (6683) ومسلم كتاب الذكر والدعاء باب فضل التهليل والتسبيح والدعاء (2694) (31). (التفسير الثمين الشيخ محمد العثيمين 582/10)

 

وبهذا يزول الإشكال الوارد على هذا القول.

أما من قال: إن الذي يوزن هو صحائف الأعمال فاستدلوا بحديث صاحب البطاقة

 الذي يؤتى يوم القيامة به، ويقال: انظر إلى عملك فتمد له سجلات مكتوب فيها العمل السيىء، سجلات عظيمة، فإذا رأى أنه قد هلك أتي ببطاقة صغيرة فيها لا إله إلا الله فيقول: يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقال له: إنك لا تظلم شيئاً، ثم توزن البطاقة في كفة، والسجلات في كفة، فترجح بهن البطاقة وهي لا إله إلا الله قالوا  فهذا دليل على أن الذي يوزن هو صحائف الأعمال. (أخرجه الترمذي أبواب الإيمان باب ما جاء فيمن يموت وهو يشهد أن لا إله إلا الله (2639) وقال حديث حسن غريب.)

وأما الذين قالوا: إن الذي يوزن هو العامل نفسه

فاستدلوا بحديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه كان ذات يوم مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فهبت ريح شديدة، فقام عبد الله بن مسعود رضي الله عنه فجعلت الريح تكفئه؛ لأنه نحيف القدمين والساقين، فجعل الناس يضحكون، فقال النبي صلى الله عليه وسلّم: «مما تضحكون؟ أو مما تعجبون؟ والذي نفسي بيده إن ساقيه في الميزان أثقل من أحد» (أخرجه الإمام أحمد في المسند (1/450) .

فيقال: نأخذ بالقول الأول: أن الذي يوزن العمل

ربما يكون يكون بعض الناس توزن صحائف أعماله، وبعض الناس يوزن هو بنفسه. (التفسير الثمين الشيخ محمد العثيمين 583/10)

فإن قال قائل: على هذا القول أن الذي يوزن هو العامل هل ينبني هذا على أجسام الناس في الدنيا وأن صاحب الجسم الكبير العظيم يثقل ميزانه يوم القيامة؟

فالجواب: لا ينبني على أجسام الدنيا،

فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال: «إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة» (أخرجه البخاري ومسلم كتاب صفات المنافقين باب صفة القيامة والجنة والنار (2785) .

      وهذا عبد الله بن مسعود يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «إن ساقيه في الميزان أثقل من أحد»

فالعبرة بثقل الجسم وثقله يوم القيامة بما كان معه من أعمال صالحة. يقول عز وجل:
{ { فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا(التفسير الثمين الشيخ محمد العثيمين583ـ 584/10)

تم بحمد الله تفسير سورة الزلزلة

صل الله على نبينا محمد وعلى اله وصحبه أجمعين